فهرس الكتاب
نسأل الله - عز وجل - أن يحفظ علينا إيماننا وإسلامنا وأخلاقنا، وأن يقيم في مجتمعاتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن يجعلنا في هذا السبيل من العاملين إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أقول هذا القول وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
أما بعد معاشر الأخوة المؤمنون:
وإن من أعظم التقوى الغيرة لحرمات الله والانتصار لدين الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن الخطوات كذلك الخطوات الاجتماعية التي يتواصل فيها الناس مع الوجهاء ومع ذوي الكلمة المسموعة في كل حي وفي تلك الديوانيات كما قلنا، وفي العمل على التواصي مع الأئمة والخطباء، زر إمام مسجدك وحيك قل له اخطب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حدثه عن بعض ما يجري حتى يكون اللسان الناطق بذلك كثيرا.
ولنأخذ كذلك سمة في كل حي إذا كان فيه مكان يمارس فيه شيء من المنكر ننصحه ونعظه؛ فإن لم يتعظ فلنقاطعه، فلنقاطعه شراء ولنقاطعه زيارة، ولنشعره بأننا سنكون كذلك من الذين يبلغون عنه الجهات المسئولة عن مخالفته الجهات النظامية والشرعية قبل ذلك، لو فعلنا ذلك في ضوء الضوابط التي قلناها وأذكر بها أن يكون لنا معرفة شرعية بالمنكر، وأنه منكر محرم ولا نرجم بالقول من عند أنفسنا، وأن نفرق كذلك بين دائرة المنكر الذي لا خلاف في إنكاره وحرمته وبين ما هو دائر في الاجتهاد بين اجتهاد معتبر عند العلماء ثم الانضباط في الوسائل بالحدود المشروعة، فلا عنف ولا عدوان ولا تسلط ولا شيء من ذلك، ثم أيضا بالعمل على الاستعانة بأهل العلم والدعوة بأن يكتبوا في هذه الأمور ويوضحوا لنا المعالم لنقوم بدورنا ونؤدي واجبنا.
ولعلي - وأنا أقول هذه الخطوات - أجعل لكم أمرا فيما بينكم وبين أنفسكم، قد يزعجكم قليلًا، وقد يحرجكم قليلًا، لكنني أحسب أنه سينفعنا جميعًا، ليكن لنا نوع من العزم والحزم مع أنفسنا ألا تأتي الجمعة القادمة إلا وقد قام كل واحد منا بخطوة من هذه الخطوات، ذهب فنصح، أو كتب فوعظ أو جمع الناس وطلب، أو أي أمر من هذه الأمور، لو أنك فعلت ثم بلغت غيرك ليفعل، اجعل لنفسك وعلى نفسك أن لا يمر بك هذا الأسبوع إلا وقد قمت بخطوة عملية مباشرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتصارا لدين الله واتباعًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وغيرة على هذا الدين وعلى هذه البلاد التي تضم الحرمين الشريفين ولنكن كما قلنا متسلحين بسلاح الشرع ونظام البلاد وكلام قادتها ونصوص أنظمتها، وأقوال علماءها، فكل ذلك مبذول وميسور والحجة قائمة.
نسأل الله - عز وجل - أن يعيننا على أن نبرئ ذمتنا، وأن نؤدي واجبنا، وأن لا نكون من الشياطين الخرس الذين لا ينطقون بالحق إذا عرفوه ولا ينكرون المنكر إذا رأوه.
العمل الفردي سيبقى مُلِحًا
فيصل بن علي البعداني
العمل الخيري (المؤسسي) أحد ركائز قوة الأمة التي حفلت النصوص الكريمة آمرة به وحاثة عليه. قال ـ - تعالى -ـ: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2] ، وقال ـ - سبحانه - ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104] . وقال - صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا» ثم شبك بين أصابعه (1) ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «يد الله مع الجماعة، وإن الشيطان مع من فارق الجماعة يرتكض» (2) ، وقال - صلى الله عليه وسلم: «عليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية» (3) .
ولا غرو؛ فالعمل المؤسسي يستثمر الجهود ويوحدها، وهو أكثر ثباتًا ونضجًا واستقرارًا وقابلية للنجاح، ولا نزاع حول أهميته وأولويته، بل الظن أن عامة شباب صحوتنا المباركة قد تجاوزوا هذا الجانب منذ مدة ليست بالقصيرة.
غير أن الذي يسترعي النظر والدراسة هو مدى كفاءة المؤسسات القائمة وقدرتها على استيعاب الطاقات الكثيرة والناضجة من الدعاة إلى الله تعالى؛ إذ مِنَ المُشاهَدِ محدوديةُ عدد المؤسسات القائمة مقارنةً باحتياج الواقع الفعلي، وبالأعداد الكثيفة من شباب الصحوة ـ ذكورًا وإناثًا ـ ممن يمكن توجيههم وتوجههم لإسقاط كثير من الواجبات الكفائية الملقاة على كاهل الأمة، فضلًا عن عامة الأمة ذوي الطاقات المجهولة والمخبوءة، والتي لا تقل أهميةً عن ما يقوم به الدعاة إلى الله - تعالى -في خدمة الأمة وتفعيل البرامج النافعة داخلها.
أضف إلى ذلك أن كثيرًا من المؤسسات القائمة تعاني من أمراض مزمنة، بل إن كثيرًا منها لا يكاد يخرج عن كونه جهدًا فرديًا يفتقد روح العمل المؤسسي، وإن كان لا يفتر دومًا عن التزين بارتداء كثير من الأثواب والحلي المؤسسية.
وأمام هذا الواقع الصعب فإن من أعظم أولويات العمل الدعوي المبادرة إلى الارتقاء بالمؤسسات القائمة وإنشاء الكثير الكثير منها.
ولا شك أن ذلك لن يتحقق بين عشية وضحاها، بل ـ على افتراض الإحساس بالمشكلة وامتلاك الرغبة والقدرات البشرية والمادية اللازمة ـ سيحتاج ذلك إلى أُطُر زمنية كافية، وهي مسؤولية ضخمة يقع واجب تحقيقها على كاهل كل قادر من أبناء الأمة على الإسهام في معالجتها.