فهرس الكتاب
ولذلك وقفوا على الأطلال، ووصفوا الخيام والجمال، كل ذلك من أثر ذلك التعلق والارتباط، وكما قال قائلهم أيضًا: ولو قيل لمجنون ليلى: تريد ليلى أم الدنيا وما في طواياها؟ لقال غبار من تراب نعالها أحب لنفسي، وأشفى لبلواها.
أي كل شيء يذكّر بذلك المحبوب ويصل به، يكون أنس النفس، وقرة العين، وتأمل حديث النبي - صلى الله عليه وسلم: (حبب إليّ من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة) ؛ فإن الأول هو الفطرة البشرية التي جاء بها هذا الدين، فليس هناك ترهل ولا تبتل ولا انقطاع عن ملذات الحياة العادية البشرية، والثاني هو أن هناك محبة أسمى، وهي التي يتحقق فيها الارتباط بالله - سبحانه وتعالى - فلذلك كان يقول - عليه الصلاة والسلام - أرحنا بها يا بلال)، العاطفة المتدفقة تريد كل شي يذكرها بالمحبوب، وكل أمر يربطها به، وكل سبب يعلقها به، ويجعلها لا تنساه مطلقًا، ولذلك كان للذكر أثره في طمأنينة القلب، وحلاوته في النفس، لذلك من أحب شيء أكثر ترداده وذكره، ولم ينسه مطلقًا، حتى إذا رأى الرؤيا في منامه، فإذا به يراها متعلقة بهذا الأمر إذا أصابه مرض، وصار يهذي بما لا يعرف، إذا بهذيانه لا يذكر المحب، أو الحبيب الذي لا ينساه مطلقًا، ولذلك تجد هذه الآثار واضحة قوية، ولها كما قلت أمثلة في جانب الخير، وفي جانب الشهوة العادية أو المتجاوزة للحد، وإن كثير من العلماء من أمثال ابن القيم وغيره جعلوا بعض أبيات المحبة التي ذكرها العشاق في المعاني الإيمانية في الصلة بين العبد وربه، واستشهدوا بهذه الأبيات في معاني المحبة الإيمانية، بفروعها المختلفة، ولذلك كل هذه الآثار لها شواهدها في حياة الصحابة - رضوان الله عليهم - وفي حياة صدر الأمة عندما كان عندهم بذل وتضحية في سبيل هذا الدين:
كنا نقدم للسيوف صدورنا لم نخش يومًا غاشمًا جبارًا
وكأن ظل السيف ظل حديقة خضراء تنبت حولها أزهارًا
لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهارًا لا إله سوى الذي صنع الوجود وقدر الأقدارا
ورؤوسنا يا ربِ فوق أكفنا نرجو ثوابك مغنما وجوارا
كان هذا الحب الإيماني نصرةً وتضحية وبذلًا لهذا الدين، وكان هناك التعلق أيضًا كما جاء في الحديث عن ثوبان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رآه مرة، وقد تغير فقال له: ما بك يا ثوبان؟ فقال: يا رسول الله ما بي مرض، ولا وجع غير أني إذا لم أرك استوحشت وحشة شديدةً، حتى ألقاك ثم ذكرت الآخرة فأخاف ألا أراك لأنك ترفع مع النبيين وإني إن دخلت الجنة فأنا في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة لن أراك أبدًا، فنزل قوله - جلا وعلا {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفقًا} ، ولذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم - المرء مع من أحب)، هذا كله دليل وشاهد على صدق تلك المحبة الإيمانية، كما وقع من خبيب بن عدي ويذكر في بعض الروايات أنه عن زيد بن الدثنة - رضي الله عنهما - لما جئ به ليضرب عنقه ويصلب قيل له: أتحب أن يكون محمد مكانك؟ قال: والله ما أحب أن محمد الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة، وأنا جالس في أهلي. فقال أبو سفيان - وكان قبل ذلك على الكفر - ما رأيت أحدًا يحب أحدًا كحب أصحاب محمد محمدًا.
هذه هي العاطفة الصادقة إذا سارت في المسارب الإيمانية، والمناهج الإسلامية، وعندما نعرف هذه الآثار ينبغي أن ندرك أن العاطفة ينبغي أن يكون لها توجه أو تأثر بأمرين اثنين: العقل ومن قبله الشرع، فلابد أن نعرف أمر العاطفة أو العواطف بين الشرع والعقل إذًا:
أولًا: العاطفة لابد أن تكون مضبوطة بضابط الشرع فلا حب لمجرد الشكل والمظهر واللون، أو لمجرد الإلفة والميل، بل بموجب الأخوة الإيمانية وما سلف أن ذكرناه.
والعقل كذلك قد يحتاج أن يحكم العاطفة إذ العقل هو الذي يتلق الشرع، ويقبل به ويسلم له ويعمل النظر في مراميه ومصالحه ومقاصده، ويكون أرجى على تقدير المصلحة من العاطفة، ولذلك لابد أن تحكم نزوات العواطف بنظرات العقول، والعقل وحده لا يكون كافيًا أيضًا في تيسير الأمور، وإذا أردنا أن نمثل فإننا نقول للعقل القيادة، وللعاطفة الحيوية؛ فإنك لو تصورت قافلة فلابد أن يكون العقل هو قائدها، ولكن لابد لها من حاد يحدو بها في الطريق، ليزيل عنها أثر عناء السفر وليهيج عاطفتها على المسير
إذا نحن أدلجنا وكنت أمامنا *** كفى بالمطايا لذكراك حاديا
ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - كما نعلم يجعل أنجشة يحدو بالإبل، فإذا بها تتأثر بذلك الصوت الشجي، وتسرع وتتحرك فيقول النبي - عليه الصلاة والسلام - عندما خاف من تأثير ذلك الصوت رفقًا بالقوارير يا أنجشة).