فهرس الكتاب
هذا كله يعطينا أن الأمر متوازن فالعقل المتجرد عن العاطفة نتيجته قسوة وغلظة وعاطفة منفلتة عن ضابط العقل خفة وطيش كأنما هو طفل صغير تعطيه الأعطية فيضحك، تمنعه عنها فيغضب، وقد تكون الأعطية فيها حتفه، وقد يكون منعها فيه مصلحته ونفعه، ولكنه لا يميز بعقله ولذلك يغلب على الطفل أنه مندفع مع عاطفته ببراءة كاملة، وتغلب المرأة عاطفتها أيضًا في مواطن كثيرة فلا يكون عقلها أحكم لتلك العاطفة ولا أضبط لها ولذلك في مسألة هذه العاطفة والعقل يقول ابن القيم - رحمة الله عليه:"إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له"، إذًا فهذا الجسم دولة، وهناك حكومة للدولة، وهناك انقلاب يقع بين العاطفة والعقل، فيقول:"إذا خرج عقلك من سلطان هواك عادت الدولة له"، أي عاد مستقل عن تأثير الهوى والعاطفة أما إذا خضع العقل لسلطان الهوى والعاطفة؛ فإنه يعود أسيرًا لها، وتكون هي موجهة ومحكمة في مساره، ولذلك تجد من يسمونه العاطفي، يقولون عنه: إنسان عاطفي أي أنه ليس عنده إلا هذا القلب يخفق محبةً وميلًا ولينًا وإلى آخره، ليس عنده تلك القوة العقلية التي يبرز أثرها حتى تضبط مثل هذه الأمور.
علاقة العاطفة بالممارسات الدعوية
وأنتقل أيضًا إلى نقطة مهمة متعلقة بخصائص العواطف، وهي قضية نمهد فيها لما يأتي من أمر الصلة المباشرة في صورة عملية بين العاطفة والممارسات الدعوية.
أول هذه الخصائص أن العاطفة موجهة، بمعنى أنك لا تستطيع أن تقول إني أحب فلان أو أحب شيئًا ولكنني لن أتأثر، أو لن تؤثر فيّ هذه العاطفة. طبيعة العاطفة أنها توجه، أنها تدفع، أنها تمنع، فليست هي قاصرة لمجرد الصورة الانطباعية، بل هي ذات تأثير موجه ومحرك.
الأمر الثاني وهو من أخطر هذه الخصائص، أن العاطفة متأثرة تتأثر بالظروف بالزمان، بالمكان، بالأحوال، بحال الشخص، بحال الآخرين من حوله، فقد ترى إنسانًا متعلقًا بآخر متصلًا به، محبًا له، ثم لا تلبث بعد حادثة أو ظرف ما ينقلب رأسًا على عقب، وينقلب الاتصال إلى انقطاع، والمحبة إلى بغضاء، وترى صورةً تتعجب وتقول متحققًا، وتستذكر محققًا قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) ، ولذلك من الصعب ضبط هذه العواطف، وتربيتها ليست قضيةً سهلة، لأنها متقلبة متأثرة.
والأمر الثالث الناتج عن هذا التأثر التقلب أنك لا تستطيع أن تثق بعاطفةً بمجرد كونها عاطفة، ما لم تضبط بالشرع والعقل لا يمكن أن تثق بعاطفة، لأن العواطف بحكم هذه المؤثرات تتقلب، فلا يكون للعاطفة استقرار ودوام، إلا إذا بنيت على أساس عقلي، واستندت إلى أحكام ونصوص وأدلة شرعية، العاطفة التي لا تستند إلى شرع، ولا تكون منضبطة بضابط عقل مستند إلى شرع، لا يمكن أن تكون ثابتة، بل طبيعتها التقلّب الذي لا يمكن معه أن تطمئن، أو أن تتصل، أو أن يكون عندك تلك العلاقات التي يبنى عليها كثير من الأعمال.
وأخيرًا العاطفة مجهولة، لا يعرف كنهها، ولا يعرف تقديرها، فلا يمكن أن تقول: إني أحب فلان بمقدار نصف كيلو، والآخر مقدار كيلو! لا يمكن أن تضبط المشاعر بموازيين محسوسة، فهي أمر كما قد يعبّر عنه هلامي، وهذه الجهالة هي سر أيضًا من خفائها وصعوبة التعامل معها، فما لم يكن لنا رجوع إلى الأحكام الشرعية؛ فإن أمر العاطفة يبقى ليس له ضابط، أو كما يقولون: ليس له خطام ولا زمام.
ومن هنا جاء أمر خطير، وهو استغلال العواطف من أثر معرفة تقلبها وتوجيهها، يغزونا أعداؤنا، أو يؤثرون على وجه الخصوص في شبابنا بهذه العواطف، يلهبونها فتتحمس، يغرونها فتتقدم، ولذلك تجد التأثير السلبي، والاستغلال الرخيص لهذه العواطف عبر الصورة المتحركة في التمثيلية، أو الفيلم، وعبر الكلمة المهيجة في المواقف العاطفية - كما يسمونها -، أو في الأغاني العاطفية وغير ذلك، وترى ذلك أيضًا في القصص الذي يسمونها أيضًا قصصًا عاطفية، كل ذلك تجد له استلاب للعواطف الشبابية عمومًا، وعواطف الفتيات على وجه الخصوص، فتجد بعض أولئك لا يتحرك إلا من خلال ذلك التأثير لهذه العواطف.