فهرس الكتاب
ثم تنتقل أيضًا إلى صور أخرى أكثر مباشرة في التأثير على العواطف، من خلال ما يسمى بتحرير المرأة وتبرجها، ومن خلال الأمر الأخطر وهو الاختلاط، كل ذلك ما هو إلا استغلال لهذه العواطف، ولذلك تجد كثيرًا من هذه البيئات والشباب والشابات الذين تسلطت عليهم هذه العواطف، وليس عندهم تربية إيمانية، ولا توجيه إسلامي، تجد أن هذه العاطفة ليست فقط تبعدهم عن الدين، بل تدمر حتى حياتهم، وتدمر مستقبلهم، تضيع على سبيل المثال مستقبلهم الدراسي، وتهدد مستقبلهم الوظيفي، وتقوض بنيانهم الاجتماعي، كل ذلك انجراف وراء تلك العواطف، عندما أُشعِل سعار الإغراء بها، وأصبح أولئك القوم أو كثير من المجتمعات تصبح وتمسي، وهي تخاطب بنداء الغريزة، وتهييج العواطف المتعلقة بالجنس والحب والغرام والهيام، وهذا أيضًا مكمن خطر ينبغي أن نعرف أن له صلة بالدعوة، معنى أن هذه العواطف لا بد أن نعرف كيف عالجها الإسلام وضبطها وأحكم توجيهها؟ لأننا لا يمكن أن نعاتب الناس، لا يمكن أن نقول أن هناك شباب ليس لهم إلا الحب والغرام، ونعتب عليهم ونشجب منهم ذلك دون أن نعرف حقائق الأمور وطبيعة النفس البشرية الحب والمحبة والعاطفة أمر فطري وثق تمامًا أن أهل العلم والإيمان قد تكلموا في ذلك بما يبين أن أصل هذا الأمر قد لا يكون للمرء فيه اختيار وقضية ما يسمى من الحب لأول نظرة أو عبر الكلمة هو أمر أيضًا فطري قد يقع في كثير من الصور والأحوال وذكر ذلك ابن القيم في بعض كتبه وفي كتاب أفرده لمثل هذه الأحوال.
أقول هذه كلها لابد أن نعرف أن لها أثارًا لابد أن نعرف أن للصورة الحسنة أثرها، وللكلمة اللينة أثرها، وأن نعرف أن لكل عمل أسلوب في التعامل له تأثيره، فكيف يمكن أن تعتب دون أن تعالج! لو نظرت إلى شأن هذه العاطفة على وجه الخصوص لرأيت أن هذا الدين العظيم قد منع الوسائل المفضية إلى إثارة الشهوة والغريزة وإلى تحريك هذه العاطفة، دون أن يكون لها مسارها الصحيح فالنظر {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} ، {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} ، والسمع {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض} والخلوة (لا يخلون رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما) ، والشم (أيما امرأة خرجت متعطرة ليجد الرجال ريحها فهي زانية) وفي بعض الروايات تلعنها الملائكة حتى ترجع. كل ذلك معرفة بطبيعة النفس البشرية وأن هذا يؤثر فيها كما قال بشار:
يا قومي أذني لبعض الحي عاشقة والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وكثيرة هي الصور التي تؤثر في هذا الجانب، ونحن ربما نعتب دون أن نعرف حقيقة هذه العواطف، فكيف يمكن لنا أن نتعامل مع شباب في فورة شبابهم؟ نريد أن ندعوهم ونوجههم دون أن نعرف الفطرة البشرية والمؤثرات التي فيها، وأن نحكم التعامل معها؛ فإن مجرد الإنكار لها والغضب منها أو الهجوم عليها ليس كافيًًا في علاجها، بل ربما كان مؤديًا إلى مزيد من استحكامها وقوة تأثيرها.
ولنعلم أيضًا في هذا الصدد أن العواطف هي حركة الحياة من ذلك:
أولًا أن العواطف باعث على الحركة والعمل، فالإنسان يحب الامتلاك، يحب أن يكون مؤثرًا، وأن يكون له وجود في التغيير الفاعل في حركة الحياة من حوله، ولولا مثل هذه العاطفة لكان الناس ميتين خامدين لا يتحركون إلى عمل ولا إلى منقبة، بل يمكن أن تكون صورتهم كأنهم أموات في صورة أحياء، والعاطفة هي التي توجد هذا الأمر، ثم هناك أمر مهم آخر وهو أن العاطفة باعث عن العلاقة والصلة، وأنظر إذا لم تكن هناك عاطفة لما كان هناك توجه من الرجل للمرأة في تكوين أسرة، ولما وجدت تلك الشفقة والرحمة من الآباء والأمهات تجاه الأبناء، ولما وجدت عاطفة التقدير والاحترام من الأبناء تجاه الآباء والأمهات، ولما وجدت عواطف الصلات والمودة بين الناس التي تحكم الروابط بين المجتمع عمومًا، بغض النظر عن الناحية الإسلامية التي تزيدها قوة ورسوخا وإحكامًا وتمكنًا، وتعصمها من الخطأ والزلل الذي تقع فيه العواطف بمجردها أو بمفردها.
ثم أنتقل إلى لب الموضوع وهو الذي يتعلق بصور من العواطف وصلتها بالممارسات الدعوية وربما تنقلب العواطف إلى عواصف أو إلى قواصف في بعض الأحوال:
أولًا: عاطفة المحبة على وجه الخصوص للصلة بين الداعية والمدعو. نحن نعلم أن المحبة ابتداءً أمر إسلامي إيماني لابد أن يحب المرء أخاه ولا شك أنه إذا اتصل بآخر ليوجهه وينصحه ويدعوه إلى الخير؛ فإنه سيكون له به ارتباط واتصال أكثر، وهذا يعني أن تكون محبته له أعظم وأكبر، وهذا أيضًا أمر مسلّم به.
ثانيًا: هذه المحبة عندما تفيض في السلوك والتعامل مع المدعو يكون لها أعظم الأثر في استمالة قلبه، وإقناع عقله، وتأثره بالداعية واقتدائه به في كثير من أحواله وسلوكياته.
ثالثًا: أن لهذه العاطفة وهذه المحبة ما يعين على أن تتقوم نفس المدعو تقويمًا عاطفيًا فتتهذب نفسه، ويكنّ الخير للآخرين، ويضمر المحبة، ويلتمس العذر، ويحسن الظن، فهذه كلها من الآثار الإيجابية للتعامل الأخوي الذي تسوده المحبة الإيمانية والأخوة في الله - عز وجل -، ولكن هناك ما قد نسميه تجاوزًا للحد، أو زيادة عن القدر المطلوب، وهذا لمسته في بعض الأسئلة التي يذكرها الشباب، فيأتي أحدهم ويقول إن لي صلة بفلان من الناس، أو بأخٍ لي، أو بجار لأدعوه إلى الخير، ولكنني أشعر أن هذه الصلة ليست هي الصلة المطلوبة في الأخوة في الله..