الصفحة 1948 من 3812

أشعر أن هناك أمرًا آخر ليس مندرجًا في هذا الإطار، أو تحت هذا العنوان، وقد يجد لهذا صور أذكر بعضها لكنني أحب أن أشير ابتداءً إلى أن وجود المحبة العاطفية البحتة مع الأخوة الإيمانية ليس أمرًا معيبًا ولا معترضًا عليه؛ فإننا عندما نقول - على سبيل المثال - إن أصدق وأعظم وأكبر محبة للنبي - عليه الصلاة والسلام - اتباعه فيما أمر، وفيما نهى عنه وزجر، فلا يعني ذلك أن نتبعه ونحن متجردين من عاطفة الحب الصادقة، ولسنا نتبعه - عليه الصلاة والسلام - لمجرد الأمر والنهي، بل هذا أصدق أنواع الاتباع ويؤيده ويجعل له استمراريته وحيويته وقوته.

إن قلوبنا تخفق بالمحبة الخالصة العاطفية له - عليه الصلاة والسلام - لما له من عظيم الخلال، وكريم السجايا، والمنزلة العالية عند الله - عز وجل -، والنعمة والفضل الذي أسداه لهذه الأمة ولكل فرد منها.

وكذلك عندما تريد من خلال هذه الأخوة أن توجه وأن تنصح؛ فإنك لا يمكن أن تنفصم عن المحبة العادية الفطرية، بل هي قرينة لهذا، ولكن الصورة التي فيها بعض الخلل أو النقص أو التجاوز هي التي يذكرها بعض الشباب، لها صور معينة أذكر بعض منها.

أسباب التعلق الزائد:

أولًا: عدم ضبط المحبة الفطرية؛ فالمحبة الفطرية أمر طبعي لا اعتراض عليه، ولكن عدم التيقظ قد يجعلها تزيد إلى أن تكون محبة عاطفية بحتة، كمحبة المحبين والعشاق.

ثانيًا: الخلطة الزائدة، فبعض الناس أو بعض الشباب بحكم الدعوة، لا يكاد يصبح صباحًا، ولا يمسي مساءً، إلا وهو مع هذا المدعو، بحجة أن يقوّم سلوكه، وأن يدعوه، وقد ذكرت أن من الخطأ أن نكون مثل اللصقة التي لا تنفصم عن الجلد، معه ليلًا ونهارًا.. صبحًا ومساءً؛ فإذا غبنا عنه اتصلنا به، لا أعيب الاتصال، لكن اتصلنا به كأننا لا يمكن أن ننفصل عنه أو ننفصم منه هذا سبب من أسباب وجود العلاقة التي قد يكون فيها مأخذ.

ثالثًا: عدم وضوح الهدف وقوة التربية عند الداعية؛ فإن هدفك من صلتك بكل إنسان هو هدف إسلامي، ترجو فيه الأجر لنفسك، والخير لغيرك؛ فإن غاب عنك هذا الهدف تكون كحال الصياد الذي ذهب ليصيد في البحر، وأخذ معه عدته، وهو يعلم أن هذا مصدر رزقه، لكنه عندما ذهب أعجبته زرقة البحر، وانكسار الأمواج، وانعكاس الشمس في غروبها، وضلال الأشجار فجعل ينظر إلى هذه المناظر الجميلة، ويأنس بها، وربما يكتب الأشعار، ويدبج المقالات، ونسي الهدف الذي ذهب لأجله، وهنا قد ينصرف الداعية لاسيما إذا كان في مقتبل العمر وأول الشباب إلى لطافة وظرف وحسن هيئة وتأنق عند المدعو، فإذا به يعجب بهذا، وينسى ذلك الهدف الذي كان أساس تلك الصلة، ويلحق بذلك عدم قوة التربية في الداعية بمعنى أنه ليس عنده التربية التي تجعله يضبط عواطفه، ويعرف كيف يقوم ويسوس الأمور.

رابعًا: النواحي المادية الصرفة وهذا أمر لابد أن نعرفه بوضوح وجلاء؛ فإن بعض التعلق قد يكون لما عند ذلك المدعو من مال أو جاه، أو كذلك لما عنده من هيئة حسنة، ولا نعجب من ذلك؛ فإن سلف الأمة قد تكلموا في مسائل قد نعجب منها، أو يراها البعض بعيدة عن التصور، وقد يظنها البعض منطوية على بعض التشدد، وإنما هو معرفتهم الصحيحة بطبيعة النفس البشربة. عندما كان العلماء يتحدثون على سبيل المثال عن الاختلاط أو النظر للأمرد، أو كيف يكون مجلسه و مكانه في مجلس العلم أو غير ذلك مما ورد عن بعض الآثار في شأن وتصرفات سلف الأمة وبعض العلماء، يدل على أن الناحية المادية في الشكل والمعنى والمضمون لها أثرها، فينبغي للمرء أن لا يغفل عن هذا، وقد يسأل الشاب ويقول كيف أميز علاقتي بالمدعو حتى أعرف إن كانت في المسار أو خرجت عن الإطار؟ فأقول هناك بعض الملامح لعلك إن سألت نفسك عنها وصارحت نفسك بها، وجدت الحل الذي يجعلك تنتبه إن كنت قد وقعت في بعض الخطأ:

أولًا: مدى لزوم استمرار الصلة. ما مدى ما في نفسك من لزوم استمرار الصلة؟ هل أنت ترى من أنه لا بد ألا يمر يوم إلا وتراه، وألا تمر ساعة إلا وتتصل به، وألا يكون لك غرض في أن تذهب إلى مكان إلا وتصطحبه وترافقه، إذا كان هذا متأصل وبقوة، فاعلم أن هذا مظهر من المظاهر التي قد تعطي مؤشرًا للتنبيه من الخطأ.

ثانيًا: عدم النصح في الأخطاء، وهذا معلم بارز عندما يخطئ هذا المدعو فالأصل أنك تنصحه. لا أقول لك أغلظ له في القول، لا أقول لك كن عنيفًا معه، لكن إذا لم تنصح لا تصريحًا ولا تلميحًا ولا بالحكمة ولا بالأسلوب الحسن، بل كان همك أو ديدنك غض الطرف، فاعلم أنك قد وافقته في هواه، وأنك قد تغلغل بعض الحب في قلبك، فلم تعد تريد أن تغضبه، أو أن تكسر خاطره، أو أن تجرح مشاعره، أو تخالفه في رأي أو قول، فإذا أردت أن تذهب للنزهة في مكان واختار هو مكانًا آخر قد يكون فيه ما فيه؛ فإنك لا تعارضه في ذلك.

ثالثًا: التبرير لكل خطأ أو لكل نقد قد تسمعه من غيرك. لا تكتفي بمجرد إقرارك بأخطائه، بل يقولون لك: إن فلان فيه اعتداد بنفسه أو غرور فتقول: لا إن الله جميل يحب الجمال، يقولون لك: إنه يفعل كذا وكذا، فتقول: إن طبيعة بيئته أو ظرفه كذا وكذا إذًا فأنت هنا أيضًا تبرر أمورًا كثيرة لا بأس أن تلتمس لأخيك الأعذار لكن كثرة التبرير ودوامه مؤشرٌ من هذه المؤشرات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت