الصفحة 1949 من 3812

رابعًا: التأثر بالغيرة من الآخرين؛ فإنك إن رأيته صحب فلان انقبضت نفسك وإن رأيته كان متأثرًا أو معجبًا أو مشيدًا ومادحًا في فلان لعلمه أو لحسن بلاغته، أو لقوة تأثيره أو كذا رأيت أن ذلك يشعرك ببعض الضيق أو التبرم، فاعلم أن هذه المؤشرات والصور كلها دلالات على أن المسار قد خرج عن الإطار المطلوب فاضبط عاطفتك بضابط الشرع، ونضمها وقومها بالعقل الذي تخطط فيه هذه الدعوة مع هذا المدعو فتحكم الأمر وتقول سأفعل معه كذا وسأعطيه كذا وسأسأله عن كذا وسأعالج فيه أمر كذا من خلال كذا وكذا ولا تترك الأمر هكذا عبثًا ومجالس فيها حك وكلام ينتج عنها مثل هذه المواقف.

الجانب الثاني أو العاطفة الثانية وهي ذات خطب عظيم وكبير وهي عاطفة الحماسة وقد سلف لنا في حديث الجمعة الماضية أيضًا في حديث الهجرة وواقع الدعوة كلام يمس هذا الجانب في إطاره العام؛ فإن الحماس عاطفة طيبة، وهي عاطفة الغيرة الإيمانية التي امتدحها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال: (أتعجبون من غيرة سعد فوالله إني لأغير منه) وكان النبي - عليه الصلاة والسلام - لا يغضب لشيء إلا أن تنتهك محارم الله - عز وجل - فلا يقوم لغضبه قائم.

هذه العاطفة؛ من النصرة للمسلمين والغيرة على هذا الدين، والحمية ضد أعداء الإسلام والمسلمين، عاطفة عظيمة جدًا هي أساس من أساسيات وصور وقوة إيمان المسلم، ولكن هذه الحماسة قد تندفع فتطغى ويأتي من وراءها كثير من الأمور والمخاطر، وقد يقول قائل أيضًا في جانب آخر: لابد أن نضبط العاطفة الحماسية ولابد أن نقيدها، ولابد أن نروضها، ويبالغ في هذا حتى يئدها ويقتلها.

نحن لا نريد للجمرة أن تنطفئ، لكننا نريد أن يبقى فيها بقية الجمر حتى إذا تدحرجت في الوقت المناسب أشعلت تلك الأوراق والأخشاب أو الهشيم أو الحصير الذي تلامسه فتشعله فيؤدي ذلك الاشتعال إلى المطلوب، لكن تلك الحكمة التي يزعمها بعض الناس، ويريدون أن يطفئوا بها جذوة الحماسة، وأن يجعلوا أجيال الإسلام، وشباب الدعوة راكنين إلى الدنيا، مطمئنين إلى ملذاتها، يشربون بارد الشراب، ويأكلون طيب الطعام، ولا تتغير نفوسهم غيرةً ولا غضبًا، ولا حميةً لدين الله، لا في كلمة حماسية، ولا في غيرةإيمانية، ولا في إنكار منكر، هذا ليس مطلوبًا!

وفي الجانب الآخر ليس مطلوبًا ذلك الاندفاع الذي يؤدي بالدعوة إلى المخاطر والمهاوي فيما يتعلق بمواجهة الأعداء، أو بظروف الضغط والاضطهاد والتعذيب والمطاردة والملاحقة للدعوة والدعاة؛ فإن للمسلم أمور كثيرة أولها: أنه منضبط بضابط الشرع فليس هو متصرف بردود الأفعال وليعلم ما قاله الصحابة في بيعة العقبة للنبي - عليه الصلاة والسلام: لو شئت أن نميل على أهل الوادي لفعلنا. فقال: (كلا! فإنا لم نؤمر بذلك) .

وليعلم كيف روض النبي - صلى الله عليه وسلم - تلك العاطفة المتدفقة في عمر - رضي الله عنه - يوم الحديبية لما جاء وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى. قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟! عاطفة صادقة لم ينكرها - صلى الله عليه وسلم - ولم يعبها على عمر، ولكنه قال: إني رسول الله وإنه لن يضيعني. فذهب إلى أبي بكر ليرى رجاحة العقل، واستقرار النفس، وقال له ما قاله للنبي - عليه الصلاة والسلام - فقال أبو بكر: الزم غرزه فإنه رسول الله، ذلك هو الفرق بين رجاحة العقل وسكون النفس عند أبي بكر، فلم تجمح به العاطفة ولو في إطارها المقبول، وتلك العاطفة المتدفقة من عمر - رضي الله عنه - لم تنطلق من إسارها، بل رجعت على أعقابها بحكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإلا قد وقع في نفوس الصحابة يوم الحديبية، ولست في صدد ذكر الأحداث، ولكن لما جاء أبو جندل يرسف في قيوده، والمسلمون على بعد خطوات منه، وهو يستنجد بهم ويصرخ، ويريد أن يلحق بهم ويخرج من هذا الاضطهاد، وهم الذين خاضوا المعارك، وضحوا بالشهداء، ويرون هذا المنظر أمام أعينهم، ولكنهم ينضبطون ويلتزمون حكم النبي - عليه الصلاة والسلام - ويقع في نفوسهم أيضًا أنهم عندما أمرهم - عليه الصلاة والسلام - أن يحلقوا رؤوسهم، ويتحللوا من عمرتهم، فلم يستجيبوا في أول الأمر، لما كان قد خالط القلوب والنفوس من هم وغم وكرب وضيق، فلما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمشورة أم سلمة فحلق، ابتدروا يحلقون حتى كاد يقتل بعضهم بعضًا، وحتى سالت دماء بعضهم - رضوان الله عليهم أجمعين -.

إذًا لابد من هذه العاطفة المتأججة في الشباب أن لا تستفز، وأن نعلم أن أعداء الدعوة يريدون لها أن تستفز، وأن تخرج عن إطارها، ليشوهوا صورة الدعاة، ويروا الناس أنهم متهورون، وأن تصرفاتهم هوجاء، وليست الحماسة المندفعة في التصرفات، بل في الكلمات، فأنت تسمع من الكلمات ما قد يكون أفتك وأخطر وأكثر هولًا من الأفعال، لأن الكلمات فيها أحكام، ولنا مع الكلمة جولة - إن شاء الله - كما سأذكر في آخر الحديث ما أسباب تلك الحماسة التي قد تندفع وتخرج عن الإطار:

الأسباب الدافعة للحماسة:

أولًا: الدافع النفسي؛ إذ في النفوس حمية وطبيعة لقطف الثمرة، وتحقيق الفكرة إذا اقتنعت بفكرة؛ فإنني أحب أن تتحقق الفكرة الآن قبل أي وقت آخر، وهذا طبع بشري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت