فهرس الكتاب
ثانيًا: الحرارة الإيمانية؛ الإيمان الذي يذكي حماسة القلب والنفس ويريد لها أن تندفع ولكن إذا تمعن فليعلم قول الله - عز وجل - {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} ليس المسلم الذي يستجيب للعاطفة دون هذا الضبط أيضًا هناك واقع أعداء الدعوة الذين يحكمون قبضتهم على كثير من مقدرات المسلمين، ليس في بلاد الكفر، بل في بلاد الإسلام والمسلمين، فأنت ترى القبضة محكمة في إطار الحكم والسياسة، وفي إطار التربية والتعليم، وفي إطار الدعاية والإعلام، فقلّ أن تجد في كثير من بلاد الإسلام نصرةً للدين والدعوة، بل على العكس تجد في كثير من ممارساتها حربًا على الدين والدعوة، وهذا يستفز المشاعر أيما استفزاز، كيف نكون في بلد إسلامي وإذا بصحف في تلك البلاد أو مشاهد في إعلامها تعلن الكفر الصريح، دون أن يسمح لمعترض أن يعترض، أو لمنكر أن ينكر، إن ذلك قد يكون أحيانًا أكبر مما تحتمله بعض النفوس التي لم تروض ولم ترب التربية الكافية.
وأيضًا من الأسباب؛ الجهل بأساليب الكيف الذي يخطط لها الأعداء ويمارسونها لهم أساليب ملتوية وخبيثة يريدون من خلالها الدعاة والشباب منهم على وجه الخصوص فيما لا تحمد عقباه.
ثالثًا: كثرة المنكرات التي تواجه الشباب في كثير من الوقائع العملية سماعًا ونظرًا وقراءةً وفي كل الصور.
رابعًا: ضعف النفوس عن طول الطريق؛ فإن الطاقات تختلف، فلو تصورت الدعوة عبارة عن حمل ثقيل، فهناك أصحاب أجسام قوية، وعضلات فتية، يمكن أن يحمل ويسير ما شاء الله له أن يسير ولا يتعب، ومنهم من يمشي بعض خطوات أو قليل من الطريق ثم يقول: لابد أن أتخفف، وأن أنطلق لأبلغ المراد من غير هذا الطريق.
خامسًا: أمر في غاية الأهمية وهو: عدم وجود القدر الكافي من التخطيط الدعوي الذي يستوعب طاقات الشباب، فلا يولد حماسة، ولا يجعلهم يبردون ويسكنون، وتموت نفوسهم وهممهم، كما أنه يجعلهم ينفسّون هذه الطاقة في ميادين عملية، تحقق إيجابيات للدعوة ولهذا الدين، ويدركون خلالها أن جولتهم مع الباطل يمكن أن تكون طويلة المدى، وأن تحقق بعض النجاح في جانب، ثم في آخر، ثم في ثالث، وإذا بالجولة بعد ذلك تتكامل انتصاراتها، وتؤدي ثمرة من الثمار المرجوة.
سادسًا: عدم الخبرة الكافية والتجربة والنظر في التجارب الواقعية في الحياة الإسلامية هناك في سيرة النبي - عليه الصلاة والسلام - دروس كثيرة، وعبر لكن في الواقع الدعوي المعاصر دروس كثيرة لمجرد الحماس غير المتزن بضابط الشرع، ولا بنظر المصلحة على الدعوة والدعاة، ومن ذلك أيضًا الغفلة عن سنن الله - عز وجل - في طبيعة التدرج، وطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وكما يقولون: ينتصر الباطل في جولة وجولة، ولكن الجولة الأخيرة فينبغي أن يكون يقيننا أنها للحق وأن العاقبة للمتقين وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق لابد أن ندرك أن الأمر في ختامه لهذا الدين وأن النصر له والبشارات في ذلك معروفة مأثورة مذكورة، فينبغي أن لا نخرج عن إطارها.
سابعًا: - وهو الذي أختم به -؛ وهو سبب عدم الفقه في الدين، علمًا بالشرع وتنزيلًا له على الواقع؛ فإن بعض الشباب يأخذ النص وينزله إنزالًا بعيدًا عن ما فهمه أهل العلم بل ما فهمه الصحابة - رضوان الله عليهم - ومن جاء بعدهم من العلماء الذين عرفوا أن للأحكام تغيرًا بتغير الظروف والأحوال والأشخاص، وأن هناك مراتب للأحكام وهناك واجبات، وهناك سنن ومندوبات، وهناك محرمات ودونها مكروهات، فلا ينبغي التسوية هكذا بين الأمور على عجلة دون روية، وهذه أيضًا مشكلة من المشكلات.
والثالثة التي نختم بها حديثنا: مسألة الغيرة بعد المحبة، وهذه للأسف أيضًا مشكلاتها كثيرة، وأعني بالغيرة غيرة التنافس في ميادين الدعوة؛ فإذا ببعض الدعاة يغار أو يغضب من إخوة له يحبون الخير، ويسعون له، ويسيرون في طريقه، ويضربون الناس فيه، لكن باجتهاد يخالف اجتهادهم، فإذا رأى الناس أقبلوا عليهم دونه، أو اقتنعوا بفكرتهم وأسلوبهم دونه، إذا به تستعر في نفسه غيرة هي عاطفة في الأصل قد تكون محمودة إذا أخذناها على غرار قول الله - عز وجل: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} ، وإذا أخذناها على أنها تكامل لا تصادم، وتعاون لا تراشق، وقد أخبر النبي - عليه الصلاة والسلام - عن ذلك بقوله: (إن الشيطان يئيس أن يعبد في أرضكم هذه ولكن في التحريش بينكم) ، فإذا بهذه الغيرة تتحول إلى نوع من البغضاء أو الشحناء، وتؤدي إلى صور كثيرة نراها في صور من الواقع الدعوي، لا تخطئها العين.
من هذه الصور: التنافر والبعد؛ فنحن نعلم أن المسلم أخو المسلم، وينبغي أن تربط بين المسلمين أخوة الإيمان، فإذا كان أولئك المسلمون دعاة فأمر أخوتهم ومحبتهم ينبغي أن يكون آكد وأقوى، فما بالنا نرى عوام الناس من كبار السن من آبائنا وإخواننا الكبار أو أجدادنا وأمهاتنا والعجائز في قلوبهم من الصفاء والنقاء والألفة والمحبة ما نفتقده بين شباب نذروا أنفسهم للدعوة، أو نصبوا أنفسهم للدعوة، أو رفعوا راية الدعوة، أمر لا يمكن أن يكون مقبولًا في ميزان الشرع ولا في منطق العقل.
والصورة الثانية: مرحلة أخرى وهي التحذير والتشويه؛ فلا يكتفي من أن ينفر منهم، بل يحذر الآخرين منهم، ويشوه صورتهم، وهذا لا شك أنه فساد في الطوية، واختلال في النية، وسأذكر بعض الأسباب أيضًا التي تبين هذا، لكن هو يشكل صورة لنفسية مريضة لم تتغذى بغذاء الإيمان، ولم تتطهر بطهارة الإسلام.