الصفحة 1951 من 3812

والثالثة - وهي أخطر منهما: تجاوز الحدود الشرعية في أمر ذلك التحذير أو النفرة أو التعامل عمومًا، فإذا به يستخدم التورية كما يزعم ليصرف الناس عن من يقولون: إنه على باطل ثم إذا بالتورية تغدو كذبًا صريحًا، بل يتجاوز الأمر ذلك إلى إحكام الكيد، وتدبير المؤامرات، وتلمس العيب، وتتبع الأخطاء، وتجاوزات شرعية، ليس لها آخر - كما يقولون - وأذكر في هذا الصدد الأسباب التي تؤدي إلى هذه الظاهرة:

الأسباب المؤدية إلى جنوح عاطفة الغيرة:

أول هذه الأسباب التي تجنح بهذه العاطفة - أي عاطفة الغيرة: ـ عدم قوة ورسوخ التربية الإيمانية إذ المؤمن الذي يتربى على خلال الإسلام، وآداب هذا الدين، يعلم أن آصرة الأخوة، وأن أمر المحبة في الله - عز وجل - يقضي بألا يكون هناك هذا التنافر، وتلك البغضاء، وقد قال النبي - عليه الصلاة والسلام: ( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا ) وبدأ في هذا الحديث بقوله (إن الظن أكذب الحديث) أي بمجرد الظن السيئ الذي تسيء إلى أخيك به؛ فإن هذا الظن يورث في النفس نوعًا من النفرة ويزرع بذرة من بذور البغض ليس هذا محلها ولا مكانها.

الأمر الثاني: ـ عدم استحضار طبيعة الواقع الدعوي انظر إلى المجتمعات الإسلامية كم ترى فيها من الملتزمين شرع الله، كم ترى فيها من الدعاة، كم ترى فيها من العلماء، ترى قلة وأنت تريد أن تجعل هذه القلة بصنيعك أقل من القليل، فتفرق صفها، وتشيع الفرقة بينها وتشوه صورتها لينفر الناس عنها ومنها، وإذا بك في حقيقة الأمر تسيء إلى الدعوة، ولا تستحضر أمر المواجهة والكيد الذي يحاك، ويوجه للدعوة والدعاة، على اختلاف اجتهاداتهم وتصوراتهم، إن واقع العصر اليوم يدلنا على أن المسلم يعادى ويكاد له ويضطهد لمجرد كونه مسلمًا ولو كان مسلمًا بالاسم فكيف إذا كان مسلمًا يعرف إسلامه، ويلتزم شرع الله - عز وجل - ويدعو إليه ويريد أن يحي موات هذه الأمة، وأن يرفع راية الجهاد فيها؛ فإذا كان هؤلاء الدعاة على هذا القدم، فإنهم ألد الأعداء، وأعظم الخصوم، بالنسبة لمن يحاربون هذا الدين، فإذا كنت أنت بهذه الغيرة المنحرفة تساهم في ضربهم أو تشويههم؛ فإنك كأنما أخذت معول الأعداء لتريحهم من بعض العناء، كما ورد عن بعض السلف أنه سمع أحدهم يجرح أخًا له فقال: هل قاتلت الترك؟ قال: لا، قال: هل قاتلت الروم؟ قال: لا، قال: هل قاتلت الهند؟ قال: لا، قال: أفيسلم منك أهل الروم والترك والهند ولا يسلم منك أخوك المسلم؟ عجبًا لأولئك القوم، لم يسلم المسلمون من ألسنتهم، ولم يسلموا أيضًا من التخطيط الذي يبدعون فيه ويبذلون فيه جهدهم لحرب إخوانهم وهم ليس لهم في مواجهة الأعداء أي جهد يذكر، وبالتالي فهم في هذا يساهمون في هذه الخطورة العظمى.

ثالثًا: ـ الأمراض النفسية من الكبر أو حب الذات والأنا أو الغرور؛ فإن بعضًا من أولئك فيه علل مستعصية، وأمراض سرطانية تحتاج إلى استئصال، وما لم تستأصل؛ فإن نفسه تدفعه وتقوده وتدعوه إلى مثل ذلك السلوك، ومن ذلك أيضًا - وهو سبب مشترك كما سبق أن أشرت - عدم الفقه أو العلم، يقول: الحق أحق أن يتبع، ويقول: لا بد أن أهجره في الله، ويقول: لا بد أن يكون هناك مفاصلة، عجبًا كيف توقع الأمور في غير موقعها، وتنزل النصوص في غير ما هي مخاطبة به أو منطبقة عليه؛ فإنك تجد أن مجرد اختلافه مع أخيه في رأي واحد، أو في مسألة واحدة، تجعله يبدعه أو يفسقه، ويرى أن من الواجب الشرعي أن يهجره، بل من الواجب الشرعي أن يحاربه، هذا فقه سقيم، وجهل مركب - كما يقال - فهذه بعض تلك الأسباب لانحراف الغيرة عن واقعها الصحيح، وبالجملة؛ فإن هذا الانحراف العاطفي واقع في صفوف الدعوة وشبابها، وإحكامه يكون بالتربية الإسلامية والعلم الشرعي، والإدراك الواقعي، والقيادة الراشدة، وليعلم العلماء والدعاة والخطباء أن مسئوليتهم مضاعفة، فينبغي ألا يكونوا سببًا في توسيع شقة الخلاف أو إذكاء نار التباغض أو التحاسد أو غير ذلك، وينبغي أن يعلم كل مسموع الكلمة أن كلمته يطيرها عنه المطيرون، وينقلها عنه الناقلون، ويفهمها عنه الفاهمون وغير الفاهمين وهو في آخر الأمر يدرك مثل هذا، لكنه للأسف لا يلقي له بالا، فإذا كان هناك شباب صغار؛ فإن لهم كبار، ولو توقعنا أنهم أخطأوا، فلنا أن نغض الطرف عنهم، أو أن نعتذر لهم بجهلهم، لكنهم إن رجعوا إلى من يستشيرونه أو يقتدون به، فوافقهم على خطأهم، أو شجعهم عليه، عرفنا أن تركيبة عقولهم، وأن صيغة تربيتهم مبنية على أساس خاطئ، ويكون الأمر حينئذً أكبر وأخطر، فالصغير أو الجاهل يغتفر منه ما لا يغتفر من غيره، فهذه بعض المعالم والملامح المتعلقة بأمر العاطفة والدعوة، وأسأل الله - عز وجل - أن يعصمنا من الزلل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

ياخي ما ني مطوع

ممتعض

في معركة القادسية، وفيما المسلمون في أعلى حالات التأهب والاستعداد، وقائدهم الأغر سعد بن أبي وقاص (أحد العشرة المبشرين بالجنة) ، مضطلع بهكذا خطب، ومهموم بهكذا جلل، يشكو في الوقت ذاته مرضا ألم به، لتتكامل عليه وله الأجور من كل ناحية..!

فهمٌ في القلب، ووجع في الجسد، واضطلاع بالخطب! أقول وفيما هو والجمع كله على هذه الحالة من الغبرة والشعث، يؤتى بأبي محجن الثقفي يُقاد لسعد لشربه الخمرة..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت