فهرس الكتاب
وأين سعد من هكذا حالة تعتبر ثانوية قبالة بيضة الإسلام، وثغره الشرقي، والذي إن أُستبيح اليوم فليغسل المسلمون أيديهم من كل شرق للأرض بعدها.. !
لكنه حد الله، فيأمر سعد بحبسه، حتى تستقيم الحالة، ويخف الكرب.. !
ويُحبس أبو محجن الثقفي في خيمة سعد، حتى يقضي الله للمسلمين الخيّرة من أمرهم!
وجاء اليوم المرتقب، واصطفت العساكر، عساكر الرحمن، وعساكر الشيطان، وتعالى التكبير، وتقعقعت السيوف، وسُمع الصهيل، وتعالت الصيحات من كل جانب: يا خيل الله اركبي.. !
وأبومحجن الثقفي يسمع هذا كله، وهو الغضنفر العربي، والأسد الإسلامي، فتهيج روحه، ويطيش عقله، وهو في قيده يرسف كالأسد حيل بينه وبين عدوه.. !
تحمر وجناته، ويتشاعث شعره، ويهدر فمه، ويتقاطر لعاب الغضب من بين ثناياه، لُمس الزند فاشتعل، فُتح السد فانهمر، ياااااااخيل الله اركبي.. !
أينك يا سعد.. ؟!
يااااسعد... ؟!
يااااسعد.. ؟!
لكن لا سعد هنا، فخال رسول الله يدير القادسية.. وما أدراك مالقادسية.. ؟!
حسنًا.. هناك حل.. !
ياسلمى"زوجة سعد".. !
يااااااسلمى.. !
تأتيه سلمى زوج سعد: مالك يا أبا محجن.. ؟!
فيصيح كالمهبول المجنون: نشدتك الله ياابنت الأكرمين أنت والنساء عندك إلا ما حللتن قيدي لألقى أعداء ربي، ولكُنّ عهد الله وميثاقه وأغلظ أيمانه إلا ما عدت لقيدي إن لم يكتب الله لي شهادةً.. !
تتردد زوجة سعد والنسوة حولها ثم تسأله: كيف لك الوصول لأرض المعركة وهي قد بدأت.. ؟
فيجيبها وهو العالم بمرض سعد: أين البلقاء فرس سعد؟!
فتجيبه: بالجوار.. !
فيقول أبو محجن: أركبها غفر الله لك.. !
وتفتح النسوة لأبي محجن الأقفال، فينطلق كأنه انطلق لعروس أرض، وفاكهة صيف، وسلسبيل قيظ، لا كأنه يسير إلى الموت الأحمر، والوطيس الأشعل.. !
وينطلق على فرس سعد وسيفه بيده يهزه، ولسانه يصرخ: الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر.. !
فعجت بقلبي دماء الشباب *** وضجت بصدري رياح اخر.
ويدخل المعركة يزيل الرأس عن هام هذا، ويطأ عنق هذا، ويخلص مسلمًا من ذاك.. !
وسعد يرقب المعركة لمرضه، وإذا به يرى فرسه، فيقول: الضرب ضرب أبي محجن، والكرُ كر البلقاء.. !
وفيما المسلمون كلهم قلب أبي محجن، ينطلق أبطالٌ شباب إلى خيمة قائد الفرس"رستم"، لسان حالهم: لا نجونا إن نجا.. ! ولسان شجاعتهم: اقتلوني ومالكًا أو اقتلوا مالكًا معي.. !
وفيما الفُرس في كر وفر، إذا هم برأس"رستم"رامسفيلد زمانهم- على أعلى الرماح في وضح الشمس، فعن أي شيء تدافعون يا فُرس.. ؟!
فينهزم الفرس، وينتصر المسلمون، وتصير الطرق أمامهم إلى المدائن عاصمة الفرس مفتوحة لا يردها إلا مشيّهم.. !
ويأتي البطل أبو محجن مسلما نفسه لسعد بعد نهاية المعركة.. !
فيصيح سعد فرحًا بما صنع: والله لا أحدك بعد بلائك...!
ويصيح أبو محجن: والله لا شربتها بعد يومي هذا....!
الخير في اتباع من سلف والشر في ابتداع من خلف، ومدار الدين على أربعة أحاديث منها"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
يأمر الخليفة العباسي"المأمون"بترجمة كتب اليونان وفلسفتهم. وينسل إلى عقلية الثقافة الإسلامية بعض أوضارها، وتظهر عالي موجتها في القول المحدث بـ"خلق القران". وينشر الخليفة هذا القول بالآفاق، ويأطر الخلق على هذا الباطل أطرًا!
فيستجيب خلق لهذا خشية وتقاةً، ويأبى اثنان"أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح"!
ويحملان إلى الخليفة في السفينة، وفيما هما في الطريق يموت محمد بن نوح وهو يوصي أحمد بأنه ليس مثله! فأحمد إمام وإن هو استجاب لهذا الباطل تبعه العوام والخواص، ثم يلفظ أنفاسه مودعًا الدنيا بوصية خالدة!
ويقدم أحمد على الخليفة"المعتصم"مات المأمون وأحمد في طريقه إليه بعد دعاء أحمد ألا يراه فيأمر"المعتصم"بسجنه، وها هنا غرضنا يأتي!
في السجن يدخل أحمد بن حنبل، وهو رجل نحيل الجسد، رقيق البنية فيقول: أنا لا أخاف فتنة السجن فما هو وبيتى إلا واحد.. ولا أخاف فتنة القتل فإنما هى الشهادة.. إنما أخاف فتنة السوط... و في يوم أخذوا الإمام ليجلدوه فظهر على وجهه الخوف و الجزع وفى أثناء خروجه الى الساحة لمح ذلك في وجهه لص شهير اسمه أبو هيثم الطيار فقال له: يا إمام لقد ضربت 18000 سوط بالتفاريق أى على امتداد عمري وأنا على الباطل فثبتُ، وأنت على الحق يا إمام فاثبت لأنك إن عشت عشت حميدا و إن مت مت شهيدا.... !
و قد ظل الإمام بن حنبل يدعو للطيار كل ليلة بعد ذلك اللهم أغفر له... فلما سأله ابنه يا أبتي إنه سارق قال و لكنه ثبتني.
يقول الجلاد: لقد ضربت بن حنبل ضربا لو كان فيلا لهددته. و في كل مرة أقول السوط القادم سيخرج من فمه من شدة هلهلة ظهره...
في الكنانة المحروسة"مصر"، يدب وهن العقيدة في القرن الماضي، وتهب عليها رياح التغيير الفكري من كل زاوية.. سياسةً.. فكرًا.. اقتصادًا.. تعليمًا.. أدبًا.. شعرًا.. !
في كل شيء، ولكل شيء شياطين وأشقياء عاهدوا الشيطان أن يحولوها إلى جاهلية في كل صادر ووارد.. !
وكان من أسلحتهم الماضية"سلاح اللغة والأدب".. !
نعم فاللغة لغة القران، والأدب ديوان العرب، والشعر لسانهم.. !
ويأتي"الرغاليون الجدد"، وفحيح حرفهم يملأ الصحف، ويسود الكتب، ويصم الآذان.. !
وكان لهم هزبر ضاري، وكاتب ضرغام، وشاعر مصقع.. لقد كان"مصطفى صادق الرافعي".. !
ولست هنا في طور تأصيل مقامه الأعلى، ومنقبته العظمى، في الذود عن دين الله في كنانة الله، لأن هذا موضوعي القادم إن شاء الله.. !
لكن ما أنا بصدده هو"ياخي ماني مطوع".. !