فهرس الكتاب
ولأترك المجال الآن لصديقه الوفي، وتلميذه النجيب"محمد سعيد العريان"ليُقص بدلًا عني، ويروي لسانًا مني، ليقول لكم"كثير من الذين يقرأوا للرافعي ويعجبون به، لا يعرفون عنه إلا هذا الأدب الحي الذي يقرأون، بل إن أكثر هؤلاء القراء ليتخيلونه شيخًا معتجر العمامة، مُطلق العذَبة، مسترسل اللحية، مما يقرأون له من بحوث في الدين، وآراء في التصوف، وحرص على تراث السلف، وفطنة في فهم القران، مما لا يدركه الشيوخ.. وكثيرًا ما تصل إليه الرسائل بعنوان:"صاحب الفضيلة الشيخ مصطفى صادق الرافعي.."أو"صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر.."."
ومن طريف هذا الباب رسالةٌ جاءته من حلب منذ قريب يُبدي كاتبها دهشته أن يرى صورة الرافعي منشورةً في"الرسالة"إلى جانب مقالته في عدد الهجرة، مطربشًا، حليق اللحية، أنيق الثياب، على غير ما كان يَحسَبُ، ويتساءل كاتب الرسالة:"لماذا يا سيدي أُبدَلتَ ثيابًا بثياب، وهجرت العمامة والجبة، والقفطان، إلى الحلة والطربوش؟ ألك رأي في مدنية أوربة وفي المظاهر الأوربية غير الرأي الذي نقرؤه لك.. ؟".
وما كان هذا السائل في حاجة إلى جواب، لو أنه عرف أن الرافعي لم يلبس العمامة قط، وهذا لباسه الذي نشأ عليه منذ كان صبيًا يدرج في طربوشه وسراويله القصيرة، يوم كان تلميذًا يدرس الفرنسية إلى جانب العربية بمدرسة المنصورة..."ا. هـ."
أحسبني غير محتاج لأن أشرح مشروح.. !
قال الشيخ علي الطنطاوي متحدثا عن الشيخ معروف الأرناؤوط رئيس تحرير صحيفة"فتى العرب"في الشام قبل نحو 80 سنة من الآن..
يقول الطنطاوي: كنت أعمل مع معروف الأرناؤوط محررا في صحيفته وكان يكتب مقالات إسلامية حماسية تهز العالم الإسلامي..
لكنه كان قرندلا.. وكان يشرب الناركيلة.. وكان كما قال الطنطاوي: أول من حلق شاربه في سورية.. فجاء مرة وفد من علماء الهند.. لهم لحى كثة.. يبحثون عن الشيخ معروف الأرناءوط.. يريدون السلام عليه.. لما يعرفون من كتاباته الإسلامية القوية..
فأشاروا إليهم أنه في المقهى.. فجاءوا وسألوا أين الشيخ معروف الأرناؤوط؟! فتنبه للأمر واستحيا وخرج من المقهى وقال سأدلكم عليه.. فخرج بهم وبحث عن شيخ ذي لحية كثة واتفق معه أن يتقمص شخصيته، وقال لهم هو ذا.. فسلموا عليه ظانينه معروف الأرناؤوط!!
يحكي وعهدتها على من رواها لي أحدهم بأن رجلًا رأى في منامه ولليالي متعددة اسم شخص لا يعرفه وختام رؤياه أن هذا الرجل من أهل الجنة!
فيسأل بعض من اختصه الله بتأويل الرؤى فيشير عليه بألا مناص من بشارته!
فيسأل عنه مليًا حتى قيل له أنه من أهل مكة المكرمة. ثم استطاع الوصول إليه بشق الأنفس وهو يظن بأنه سيلقى رجلًا كث اللحية، صبوح الوجه، آثار الخشعة بين عينيه!
يقول وعهدتها على راويها بأنه جاءه وهو يغسل سيارته عند بابه، فسلم عليه وسأله: أأنت فلان؟!
قال: نعم أنا هو!
فيخبره الرجل خبره، فينهمر الرجل المُبشَّر باكيًا مسُتكثرًا من البكاء!
وبعد أن هدأ وخف نحيبه، يسأله الرجل الرائي قائلًا: لا بد أن لك إلى السماء سبب، فدلني عليه!
فيرد عليه الرجل: والله لا اعلم لنفسي من خير وإنما هو ما ترى، إلا أن مرتبي أربعة آلاف ريال، أقسمه نصفين بيني وبين أولاد جاري الأيتام، والذين لا كافل لهم بعد الله إلا أنا!
ولا غرو يا سادة.. أفلم يقل رسولنا الكريم - عليه الصلاة والسلام:"أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة وقرن بين إصبعيه الوسطى والتي تلي الإبهام".
يروي أحد الدعاة قصةً لطيفة فيقول: بينما أنا في هجعة الليل إذا بطارق يطرق الباب عليّ بقوة وغلظة!
يقول فانتبهت قائمًا وخرجت للباب مسرعًا، فإذا أنا بشاب تفوح منه رائحة الدخان، وحليق، ويخبرني بأنه قد أسلم على يديه اثنان من عمالته بعد إن اجتهد عليهما أشهرًا، ويسأل كيف يعمل الآن بعد إسلامهما!
حِمى الفكرة ولباب المقصد
"يا خي ماني مطوع"!! لزمةٌ لسانية نسمعها كثيرًا في مجتمعنا حين يُطالب مسلم أن يقدم لربه قربانًا من دعوة أو كلمة حق أو نصرة عدل أو إنكار منكر!
"يا خي ماني مطوع"الإسلام بريء منها براءة ربانيته من رهبانية النصارى وكهنوتهم!
"يا خي ماني مطوع"كم عطلت من مشروع، وقتلت من موهبة، وأخرت من فتح!
إن هذا الدين دين عظيم، جاء ليشمل نقص الإنسان بواسع فضله، ويلغي عطلة البشر بملائمة أعماله لفروقاتهم الفردية، ومقدراتهم الإنسانية.
هذا الدين الكامل والقادر على احتواء هذا الخلق بنقصهم وضعفهم وعجزهم، أقول هذا الدين الكامل جاء ليقول للجميع"الإيمان بضع وسبعون شعبة"!!
فإن كانت بعض مظاهر الإيمان جوارحية كـ تقصير الثوب وإعفاء اللحية، فإن هناك أعمالًا قلبية وأخرى جوارحية يستطيع الإنسان من خلالها أن يعوض قصوره في شعبة، بتمامه من أخرى!
فكم من حليق هو أخدم لهذا الدين من ملتح! وكم متلبس ببعض الذنوب هو أحرق على الشرع من طالب علم في حلقة!
إن دعوتي هاهنا تخص في المقام الأول ما أستسيغ تسميته بـ"الالتزام الفكري"!
إن الفكر إذا صفا من أدران الأفكار المشبوهة، ونجاسات الأيدولوجيات المحدثة، فهو على خير إن شاء الله - تعالى -!
وما علينا جميعا إلا تعويض قصورنا السلوكي بتمامنا الفكري علّ الله أن يصفح عن كثير، ويُجازي عن قليل!
إن دعوتي وبالأخص في هذا الزمان الخانق على أمة الإسلام أن تتكامل ولا تتضاد، وان يشترك عاليها طاعةً بنازلها قصورًا في الذود عن حمى الإسلام الأغر!