الصفحة 1978 من 3812

فتأمل - أخي - في هذا الفضل الكبير من الله.. فجلسة منك في سارية من سواري بيت الله تعدل ثواب الصلاة، مع ما تولده تلك الجلسة في النفس من إطمئنان وهدوء، وراحة وخشوع، وسكينة ونضارة! فأين من يضيع إعمار بيت الله.. ويجلس في بيته لاهيًا ساهيًا حتى إذا أوشك الإمام على الإنتهاء من الصلاة دخل المسجد على استثقال وإهمال!! أين هو من هذا الأجر العظيم! بل إن المؤمن حينما يجلس في المسجد ينتظر الصلاة لتصلي عليه ملائكة الرحمن، وتدعو له بالرحمة والمغفرة مكانه، كما أخبر بذلك رسول الله فقال: { الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه الذي صلى فيه، ما لم يحدث. تقول اللهم اغفر له، اللهم ارحمه } .

قال معاذ بن جبل: من رأى أن من في المسجد ليس في الصلاة إلا من كان قائمًا فإنه لم يفقه.

وقال سعيد بن المسيب: من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه. وهل من يجالس ربه في بيته، بالذكر، وتدبر القرآن، وتعلم العلم وتعليمه والدعاء.. كمن يجلس أمام تفاهات التمثيل وسفاسف اللهو واللعب!!

سارت مشرقة وسرت مغرّبا *** شتان بين مُشرّق ومغرّب

وهذا رسول الله يؤخر صلاة العشاء الى نصف الليل ترغيبًا في أجر انتظار الصلاة. فعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله أخّر ليلة صلاة العشاء الى شطر الليل ثم أقبل علينا بوجهه بعدما صلى فقال: { صلى الناس ورقدوا ولم تزالوا في صلاة من انتظرتموها } [رواه البخاري] .

فاحرص أخي على التبكير الى المسجد، واحرص على الصف الأول يمين الإمام أو خلف قفاه، إن أمكنك وإلا أقرب موضع إليه، فإن للصلاة قرب الإمام أجرًا عظيمًا وتأثيرًا عجيبًا على المصلي!

فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: { لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا } [متفق عليه] .

2 -ثواب الصلاة في جماعة:

وثواب صلاة الجماعة لا يخفى على أحد، فقد قال: { صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة } [رواه البخاري ومسلم] والفذّ هو الواحد.

ولا أدري كيف يزهد مسلم في هذا الخير العظيم ويؤثر بيته فيصلي فيه، وكأنه قد ضمن لنفسه ما يكفيه للنجاة من النار ودخول الجنة.

فاحذر - أخي - أن تغالط نفسك، فتحرمها من هذا الأجر الكبير، وإياك أن تتأثر بمن ضعف إيمانه وهان دينه، فآثر بيته على بيت الله، وهواه على أمر الله.

فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: { ليس صلاة أثقل على المنافقين من صلاة الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا } [رواه البخاري ومسلم] .

فتأمل في صفة المنافقين، فإن علامتهم أن تتثاقل رؤوسهم عن أداء صلاة الصبح وصلاة العشاء.. فكيف يرضى مؤمن لنفسه أن يكسب صفة من صفات النفاق!! ويضيع على نفسه الأجر العظيم.

فقد قال: { من شهد العشاء في جماعة كان له قيام نصف ليلة، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة، كان له قيام ليلة } [رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح] .

وكثير من الشباب يعتذر عن الذهاب الى المسجد بالعياء أو ببعد المسجد أو نحوها من الاعتذارات.. ثم هو إذا دعي الى مباراة رياضية أو سهرة في البراري؛ قام لها قومة الفارس المغوار.

وهذا ابن أم مكتوم المؤذن رضي الله عنه، يستفسر من رسول الله مشقة الطريق إلى المسجد ملتمسًا العذر يقول: يا رسول الله إن المدينة كثيرة الهوّام والسباع، فقال رسول الله: { تسمع حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، فحيّهلا } .

ثم إن حضور صلاة الجماعة من أسباب تقوية الإيمان وقمع الشيطان، فعن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله يقول: { ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان، فعليكم بالجماعة فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية } .

وعن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: { إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [التوبة:18] } .

فطوبى لمن علق قلبه بالمساجد.. فجعلها قرة عينه.. يلتمس فيها السكينة.. وينشد فيها الطمأنينة.. ويفر إليها من فتات الدنيا وشهواتها.. تاليًا فيها الكتاب.. مشفقًا من العذاب.. خائفًا من الحساب.. يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه!

فعن أبي هريرة عن النبي قال: { سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز وجل، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة، فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه } .

وينبغي للمسلم أن يتجنب مغالطة نفسه وخداعها بالاعتذارات الواهية،.. فإنه سيقف وحده أمام الله، وينظر أيمن منه ثم أشأم منه فلا يجد إلا ما قدّم!! فانتبه ـ أخي الكريم ـ أن يباغتك الموت.. ويفوتك الفوت.. وأنت عن المساجد معرض.. وعلى الملاهي مقبل.. وفي الصلوات مفرط.. تصلي حينًا وحينًا تشطط..

وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه وجعلنا من عمّار بيته.

التفكر

صالح بن فوزان الفوزان

دار القاسم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

قد أمر الله سبحانه بالتفكر والتدبر في كتابه العزيز، وأثنى على المتفكرين بقوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلًا [آل عمرآن:191] وقال: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الرعد:3] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت