الصفحة 1980 من 3812

وانظر كيف خلق اللؤلؤ، ودوَّره في صدفه تحت الماء، وانظر كيف أنبت المرجان في صم الصخور تحت الماء، وكذلك ما عداه من العنبر وأصناف ما يقذفه البحر وانظر إلى عجائب السفن كيف أمسكها الله تعالى على وجه الماء، وسيرها في البحار تسوقها الرياح، وأعجب من ذلك الماء فإنه حياة كل ما على الأرض من حيوان ونبات، فلو احتاج العبد إلى شربة ماء، ومنع منها لبذل جميع خزائن الأرض في إخراجها، فلا يغفل العبد عن هذه النعمة.

ومن آياته الهواء وهو جسم لطيف لا يرى بالعين، ثم انظر إلى شدته وقوته، وانظر إلى عجائب الجو، وما يظهر فيه من الغيوم والرعد والبرق والمطر والثلج والشهب والصواعق، وغير ذلك من العجائب. وانظر إلى الطير تسبح بأجنحتها بالهواء كما يسبح حيوان البحر في الماء، ثم انظر إلى السماء وعظمها وكواكبها وشمسها وقمرها، وما فيها كوكب إلا ولله تعالى فيه حكمة في لونه وشكله وموضعه، وانظر إلى إيلاج الليل في النهار، والنهار في الليل، وانظر مسير الشمس، كيف اختلف في الصيف والشتاء والربيع والخريف.

وقد قيل: إن الشمس مثل الأرض مائة ونيفًا وستين مرة، وإن أصغر كوكب في السماء مثل الأرض ثمان مرات، فإذا كان هذا قدر كوكب واحد، فانظر إلى كثرة الكواكب، وإلى السماء التي فيها الكواكب، وإلى إحاطة عينك بذلك مع صغرها. والعجب منك أنك تدخل بيت غني مزخرفًا بالذهب، فلا ينقطع تعجبك منه ولا تزال تذكره، وأنت تنظر إلى هذا البيت العظيم، ولا تتفكر في بناء خالقك، فلقد نسيت نفسك وربك، واشتغلت ببطنك وفرجك، فما مثلك في غفلتك إلا كمثل نملة تخرج من بيتها الذي حفرته في حائط قصر الملك، فتلقى أختها فتحدث معها في حديث بيتها، وكيف بنته وما جمعت فيه، ولا تذكر قصر الملك ولا من فيه، فهكذا أنت في غفلتك، فما تعرف من السماء إلا ما تعرفه النملة من سقف بيتك.

فهذا بيان معاقد الجمل التي يجول فيها فكر المتفكرين، والأعمار تقصر، والعلوم تقل عن الإحاطة ببعض المخلوقات، إلا أنك كلما استكثرت من معرفة عجائب المصنوعات، كانت معرفتك بجلال الصانع أتم. فتفكر فيما أشرنا إليه. فمن نظر في هذه الأشياء من حيث أنها فعل الله وصنعه، استفاد المعرفة بجلال الله تعالى وعظمته، وإن قصر النظر عليها من حيث تأثير بعضها في بعض، لا من حيث ارتباطها بمسبب الأسباب، شقي. نعوذ بالله من مزلة أقدام الجهال، ومن الركون إلى أسباب الضلال.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

فاستبقوا الخيرات

صالح بن فوزان الفوزان

دار القاسم

الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير، إن الإنسان خُلق في هذه الحياة ليعمل، ثم يبعث يوم القيامة ليجزى بعمله؛ فهو لم يخلق عبثًا، ولن يترك سُدى. والسعيد من قدم لنفسه خيرًا يجده عند الله ذخرًا، والشقي من قدم لنفسه شرًا تكون عاقبته خسرًا.

فانظروا في أعمالكم، وحاسبوا أنفسكم قبل انقضاء آجالكم فإن الموت نهاية العمل وبداية الجزاء، والموت قريب لا تدرون متى نزوله، والحساب دقيق لا تدرون متى حلوله. والشيب نذير الموت فاستعدوا له، وموت الأقران علامة على قرب موت الإنسان.

فتذكروا الموت واعملوا لما بعده مما أنتم قادمون عليه ومقيمون فيه، ولا تنشغلوا عنه بما أنتم راحلون عنه وتاركوه، ولا تغرنكم الآمال الطوال وتنسوا حلول الآجال، فكم من مؤمل أملًا لا يدركه، وكم من مصبح في يوم لا يدرك غروبه، ومُمسٍ في ليل لا يدرك صباحه، وكم من مُمتن عند الموت أن يترك قليلًا ليصلح ما أفسد، ويستدرك ما ضيع، فيقال له: هيهات، إن ما تتمنى قد فات، قد حذرناك قبل ذلك وأنذرناك بألا رجوع هناك، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (9) وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المنافقون:9-11] .

إن كل إنسان ينتهي عمله عند حلول أجله. وهناك أعمال عملها في حياته واستمر نفعها بعد مماته، فما دام نفعها مستمرًا فإن أجرها يجري لصاحبها مهما طالت مدتها. وهي كل مشروع خيري ينتفع به الناس والبهائم؛ كالأوقاف الخيرية، والأشجار النافعة المثمرة، وسقايات المياه، وبناء المساجد والمدارس، والذرية الصالحة، وتعليم العلم النافع وإخراج الكتب المفيدة.

في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله قال: { إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعوا له } فهذا الحديث يدل على إنقطاع عمل الإنسان بموته، وأن محل العمل هو مدة حياته.

فيجب على المسلم أن يحذر من الغفلة والإضاعة، وأن يبادر بفعل الطاعات قبل الموت، ولا يؤخر ذلك إلى وقت قد لا يدركه، والنصوص التي وردت بالحث على إستباق الخيرات، والمسارعة إلى الطاعات، والمبادرة بالأعمال نصوص كثيرة، مما يدل على أنها إذا لم يبادر إليها فاتت.

كما يدل الحديث على استثناء الأعمال الخيرية التي يستمر نفعها بعد موت صاحبها أنها لا تنقطع بموته بل يستمر أجرها ما دام ينتفع بشيء منها ولو طال بقاؤها، وأنها يتجدد ثوابها بتجدد نفعها، وهذه الأشياء هي:

أولًا: الصدقة الجارية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت