فهرس الكتاب
وقد فسرها العلماء بالوقف الخيري، كوقف العقارات والمساجد والمدارس وبيوت السكنى والنخيل والمصاحف والكتب المفيدة ووقف سقايات المياه من آبار وبرك وبرادات وغيرها. وفي هذا دليل على مشروعية الوقف النافع والحث عليه وأنه من أفضل الأعمال التي يقدمها الإنسان لنفسة في الآخرة. وهذا بإمكان العلماء والعوام.
ثانيًا: العلم النافع:
وذلك بأن يقوم الإنسان في حياته بتعليم الناس أمور دينهم، وهذا خاص بالعلماء الذين قاموا بنشر العلم بالتعليم وتأليف الكتب ونسخها. وبإمكان العامي أيضًا أن يشارك في ذلك بطبع الكتب النافعة أو شرائها وتوزيعها أو وقفها، وشراء المصاحف وتوزيعها على المحتاجين أو جعلها في المساجد، وهذا فيه حث على تعلم العلم وتعليمه ونشره ونشر كتبه لينتفع بذلك الناس في حياته وبعد موته.
والعلم يبقى نفعه ما دام في الأرض مسلم وصل إليه هذا العلم، فكم من عالم مات من مئات السنين وعلمه باق ينتفع به بواسطة كتبه التي ألفها وتداولها الأجيال تلو الأجيال من بعده وبواسطة طلابه وطلاب طلابه. وكلما ذكره المسلمون دعوا له وترحموا عليه، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. وكم أنقذ الله بعالم مصلح أجيالًا من الناس من الضلالة، وناله مثل أجور من تبعه إلى يوم القيامة.
ثالثًا: الولد الصالح:
من ذكر وأنثى وولد الصلب وولد الولد تجري نفعهم لآبائهم بدعواتهم الصالحة المستجابة لآبائهم، وبصدقاتهم عنهم وحجهم لهم، وحتى دعاء من أحسن إليهم هؤلاء الأولاد من الناس فكثيرًا ما يقول الناس للمحسنين: رحم الله آباءكم وغفر لهم.
وفي هذا حث على التزوج لطلب الأولاد الصالحين، ونهي عن كراهية كثرة الأولاد؛ فإن بعض الناس قد يتأثر بالدعايات المظللة فصار يكره كثرة الاولاد ويحاول تحديد النسل أو يدعو إليه، وهذا من جهلهم بأمور دينهم ومن جهلهم بالعواقب ومن ضعف إيمانهم.
وفي هذا الحديث أيضًا الحث على تربية الأولاد على الصلاح وتنشئتهم على الدين والصلاح ليكونوا خلفًا صالحًا لآبائهم يدعون لهم بعد موتهم ويستمر نفع عملهم بعد إنقطاع أعمالهم.
وكثير من الناس اليوم قد أهمل هذا الجانب فلم يهتم بتربية أولاده؛ يربي أولاده على الفساد ولا يحاول إصلاحهم، يراهم يفعلون المحرمات ويتركون الواجبات، ويضيعون الصلاة فلا يأمرهم ولا ينهاهم، يراهم يهيمون في الشوارع ويجلسون مع الأشرار وربما يذهبون إلى أمكنة الفساد ولا يهمه ذلك، بينما لو أتلفوا شيئًا من ماله أو نقصوا شيئًا من دنياه لكان منه الرجل الحازم والمؤدب الشجاع والبطل المغوار، يغار لدنياه ولا يغار على دينه، يهتم بإصلاح ماله ولا يهتم بصلاح أولاده في حياتهم فكيف بعد مماتهم؟!!
فاتقوا الله أيها الآباء في أولادكم ليكونوا ذخرًا لكم ولا يكونوا خسارة عليكم، واعلموا أن صلاح الأولاد لا يأتي عفوًا بدون بذل أسباب وصبر وإحتساب.
ويدل هذا الحديث أيضًا على مشروعية دعاء الأولاد لآبائهم مع دعائهم لأنفسهم في الصلوات وخارجها، وهذا من البر الذي يبقى بعد وفاة الآباء.
وهذه الأمور المذكورة في هذا الحديث هي مضمون قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] فما قدموا هو ما باشروا فعله في حياتهم من الأعمال الحسنة والسيئة. وآثارهم: ما يترتب على أعمالهم بعد موتهم من خير أو شر.
وما يصل إلى العبد من آثار عمله بعد موته ثلاثة أشياء:
الأول: أمور عملها غيره بعد موته بسببه وبدعوته وتوجيهه إليها قبل موته.
الثاني: أمور انتفع بها الغير من مشاريع نافعة أقامها الميت قبل موته أو أوقاف أوقفها في حياته فصارت تغل بعد موته.
الثالث: أمور عملها الحي وأهداها إلى الميت من دعاء وصدقة وغير ذلك من أعمال البر.
روى ابن ماجة: { إنما يلق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علم تنشره، أو ولد صالح تركه، أو مصحف ورثه، أو مسجد بناه، أو بيت لابن السبيل بناه، أو نهر أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته } .
فاحرصوا رحمكم الله على بذل الأسباب النافعة وتقديم الأعمال النافعة التي يستمر نفعها ويجري عليكم أجرها بعد وفاتكم، قال تعالى: الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46] .
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أهمية التمسك بعرى الإسلام
عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
دار القاسم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فالزكاة هي الركن الثالث من أركان الإسلام لقول النبي: { بني الإسلام على خمس ـ يعني على خمس دعا ئم - شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت } [متفق على صحته] .