فهرس الكتاب
فتجد بعض الناس يدعو النبي أو يدعو الولي الفلاني، وتجد آخر يدعو الحجر الفلاني أو الشجر أو غير ذلك، وكل هذا شرك أكبر ومن ذلك دعاء الأموات كالبدوي والحسين وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما أو عبد القادر الجيلاني أو الملك الفلاني أو إبراهيم عليه السلام أو إسماعيل عليه السلام أو النبي محمد أو نوح عليه السلام أو عيسى عليه السلام أو موسى عليه السلام أو غيرهم. فكل هؤلاء دعوتهم من دون الله والاستغاثة بهم من الشرك الأكبر وكذلك الذبح لهم، ولهذا قال النبي لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: { ادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله } [البخاري ومسلم] أي ادعهم إلى أن يوحدوا الله، والمعنى يبدأ دعوته لهم بالتوحيد كما بدأ جميع الرسل دعوتهم بذلك، وذلك قبل الدعوة إلى الصلاة والزكاة وغير ذلك، لأن هذا هو أساس الدين وهو أساس الملة وهو أعظم واجب. يقول جل وعلا: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا [النساء:36] . ويقول جل وعلا: فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ [الزمر:3،2] . ويقول جل وعلا: فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [غافر:14] . وفي غالب الأمصار والبلاد - إلا من رحم الله - تجد من عبد مع الله سواه، فهذا يعبد فلانًا وهذا يدعو فلانًا وهذا يرجو فلانًا عند شدة المصائب وعند حدوث الكروب فيفزع إلى البدوي أو إلى عبد القادر أو إلى الحسين أو إلى النبي أو إبراهيم عليه السلام أو إلى إسماعيل عليه السلام أو إلى فلان يستعيذ بهم أو يستغيث بهم، فهذا هو الشرك الأكبر وهكذا الذبح لهم والنذر لهم، ومن ذلك أن يدعو الجن ويسألهم قائلًا أيها الجن افعلوا كذا افعلوا كذا. فالعبادة حق الله سبحانه يجب الإخلاص فيها لله. فإذا حزبك أمر فقل: يالله أغثني، يا الله اهدني، يا الله أدخلني الجنة، يا الله بارك لي فيما أعطيتني، يا رب نجني من كذا، خلصني من كذا، تتضرع إلى الله فهو الذي يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60] . ويقول سبحانه: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186] . ويقول سبحانه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي ( أي: قل يا محمد إن صلاتي ) وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:163،162] . ويقول جل وعلا: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (1) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2،1] .
فيجب على المكلفين من الإنس والجن أن يخلصوا لله في العبادة بحيث لا يدعون ولا يستغيثون ولا ينذرون إلا لله ولا يذبحون ولا يخافون من غير الله، هكذا بعث الله الرسل كما قال تعالى: وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ [النحل:36] . وقال سبحانه: لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ [الأعراف:59] .
هكذا كل الأنبياء كلهم دعوا الناس إلى توحيد الله، ولهذا أوصى الرسول الرسل الذين بعثهم إلى البلاد أن يبدأوا بدعوة الناس إلى توحيد الله كما أوصى معاذًا بذلك، وكذلك عليًا وكذلك أبا موسى الأشعري وكلهم يدعون الناس إلى توحيد الله وطاعة الله، ثم بعد ذلك يدعون إلى الصلاة والزكاة. فالذي لا يوحد الله لا صلاة له ولا زكاة ولا صوم بل كلها باطلة، لقوله تعالى: وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ [الأنعام:88] . وقال سبحانه: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الزمر:65] . ويقول تعالى أيضًا: إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ [المائدة:72] . فلو أنفق الإنسان ما في الأرض ومثل الجبال وهو مشرك ما تقبل منه، كما قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا [الفرقان:23] .