الصفحة 1984 من 3812

فعلم أن المؤمن الموحد هو الذي لا يدعو إلا الله ولا ينذر إلا لله ولا يذبح إلا لله، فإذا حزبه أمر يقول: يارب أعطني، يارب اشفني، يارب انصرني، يارب نجني، يارب أدخلني الجنة، يارب ارزقني الولد الصالح، يارب يسر لي الزوجة الصالحة، وهكذا حكم النذر، فالرسول يقول: { من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه } [البخاري ومسلم] . فإذا قال المسلم: ( لله علي أن أذبح بقرة ) أو ( لله علي أن أذبح ناقة ) أو ( لله علي أن أتصدق بكذا ) وجب عليه هذا، لقوله: { من نذر أن يطيع الله فليطعه } . وهكذا لو قال: ( إن شفى الله مريضي فعلي أن أذبح كذا لله ) وجب عليه ذلك إذا شفي الله مريضه، ولكن لا ينبغي له النذر، لقول النبي: { لا تنذروا فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا وإنما يستخرج به من البخيل } [متفق على صحته] . أما لو قال: ( إن شفى الله مريضي فلسيدي البدوي كذا أو للولي عبد القادر كذا أو للولي الفلاني كذا ) فهذا شرك أكبر، ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - في كتاب التوحيد ( باب من الشرك النذر لغير الله ) وقال: ( باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ) وقال: ( باب من الشرك الاستعانة بغير الله ) ، ومقصوده رحمه الله بهذه الأبواب التحذير من الشرك، لكونه أعظم الذنوب وكثير من الحجاج عند قبر النبي وصاحبيه رضي الله عنهما يدعونهم من دون الله ويستغيثون بهم، هذا هو الشرك الأكبر، وهكذا في مقبرة البقيع يقع مثل ذلك من بعض الحجاج، كما تفعل الرافضة وأشباههم من عباد القبور فهذا كله من الشرك الأكبر.

فلا يدعى النبي ولا الصديق ولا عمر ولا عثمان ولا علي ولا غيرهم من الأموات ولا الملائكة ولا الجن، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده، فالنبي يصلى عليه: ( اللهم صل على محمد وعلى آله وصحبه وسلم ) يصلى عليه ويتعبد بشريعته. أما العبادة فحق الله، قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ [الإسراء:23] . وقال سبحانه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5] . وقد يقول بعض الحجاج وغيرهم وقفت عند قبرك يا رسول الله انصرني أو اشف مريضي أو اشفع لي فلا يجوز ذلك بل هو من الشرك الأكبر. أما إن قال في دعائه لله: اللهم شفع فيَّ نبيك يوم القيامة إذا بعث الناس فلا بأس، لأنه يشفع في المؤمنين يوم القيامة حتى يدخلوا الجنة، ويشفع في كثير من العصاة الموحدين فيخرجهم الله من النار بشفاعته بعد أن يأذن الله له في ذلك كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي في الصحيحين وغيرهما، أما بعد الموت وقبل البعث فلا يدعى ولا يستغاث به وهكذا بقية الأنبياء، وهكذا الصالحون، وهكذا غيرهم فلا يدعى غائب ولا ميت ولا جماد كالصنم والشجر وغير ذلك، أما الحي الحاضر القادر فلا بأس أن يسأل فيما تجيزه الشريعة المطهرة كأن تقول يا فلان ساعدني في ثمن شراء السيارة، أو في إصلاح المزرعة، أو تطلب منه قرضًا وهو حي يسمع كلامك، لأنه قادر كما قال الله تعالى في قصة موسى عليه السلام مع القبطي: فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ [القصص:15] . وهكذا خوف الإنسان من اللصوص فيضع حرسًا كما قال الله تعالى في قصة موسى أيضًا: فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا [القصص:21] أي من مصر خائفًا من فرعون؛ لأن فرعون له سلطة وقدرة فخرج موسى خائفًا من فرعون فلا بأس، كأن يكون هناك بلد فيه شر فيخرج المسلم منه اتقاء ذلك الشر، أو يؤذى المسلم فيضع حرسًا فلا بأس. أما الخوف من أصحاب القبور ودعاؤهم من دون الله، هكذا دعاء الجن فهو شرك أكبر، والله جل وعلا يقول: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18] .

أما الذبح للضيف مثلًا فلا بأس، وكذلك الذبح للأكل، أما للجني الفلاني أو لصاحب قبر حتى يشفع لك أو حتى يجيرك من كذا أو حتى يعينك على كذا فهذا من الشرك الأكبر، لقول النبي: { لعن الله من ذبح لغير الله } [رواه مسلم] ، ولأنه عبادة عظيمة صرفها لغير الله فكان مشركًا بالله عز وجل وهذا أمر خطير جدًا ويجب الحذر منه.

ثم الصلاة أوّل شيء بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله لا يسلم المسلم إلا بهما، فإذا قالهما صادقًا مخلصًا مؤمنًا بأن الله هو المستحق للعبادة ومؤمنًا برسول الله وبأنه أرسل بالحق لجميع الناس، صادقًا في ذلك لا منافقًا دخل في الإسلام. أما إن قالهما رياءً فلا يدخل في الإسلام، وإنما يدخل فيه إذا قالهما صدقًا وإخلاصًا أن الله هو المعبود بالحق، وأنه هو الإله الحق المستحق للعبادة لا يستحقها سواه، ويشهد أن محمدًا رسول الله شهادة جازمة صادقًا فيها يعلم أنه رسول الله إلى جميع الثقلين من الجن والإنس، واتبعه وعمل بشرعه نجا وصار إلى الجنة، ومن حاد عن سبيله ولم يتبعه أو لم يصدقه صار إلى النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت