فهرس الكتاب
قال أبو قطن: ( ما رأيت شعبة ركع قطُّ إلا ظننت أنه نسي، ولا قعد بين السجدتين إلا ظننت أنه نسي ) .
كان طلق بن حبيب لا يركع في صلاته إذا افتتح سورة (البقرة) حتى يبلغ (العنكبوت) . وكان يقول: ( أشتهي أن أقوم حتى يشتكي صلبي ) .
ومنهم: من إذا دخل في الصلاة خشع قلبه، وسكنت جوارحه، حتى يظن من رآه أنه جماد، بل إن الطير قد يظن ذلك المصلي حائطًا، فيقع على ظهره لشدة سكونه، وهذا السكون دليل على الراحة التي يجدها المصلي في صلاته، إذ لو لم يجد فيها راحة لم يسكن هذا السكون، فإن المرء إذا كان على وضع لا راحة له فيه تكثر حركته، والتفاته، وعبثه.
قال ثابت البناني: ( كنت أمر بعبدالله بن الزبير وهو يصلي خلف المقام، كأنه خشبة منصوبة لا يتحرك ) .
قال يحيى بن وثاب: ( كان ابن الزبير إذا سجد وقعت العصافير على ظهره، تصعد وتنزل، ولا تراه إلا جذم حائط ) .
قال الأعمش: ( كأن إبراهيم إذا سجد كأنه حائط، ينزل على ظهره العصافير ) .
قال بعضهم: ( كان عنبس بن عقبة يسجد حتى إن العصافير يقعن على ظهره وينزلن ما يحسبنه إلا جذم حائط ) .
كان مسلم بن يسار إذا صلّى كأنه وتد لا يميل لا هكذا ولا هكذا. وقيل: إذا صلى كأنه ثوب ملقى.
ومنهم: من إذا دخل في الصلاة انشغل بها عما حوله، حتى لا يشعر بما يحدث عنده وقريبًا منه وإن كان عظيمًا، ومتى عظمت محبة الشخص لأمر، فإنه ينشغل به حتى عن نفسه، ألم تر كيف قطع النسوة أيديهن لما رأين يوسف فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ [يوسف:31] دهشن برؤيته عن أنفسهم فلم يشعرن بتقطيع أيديهن.
من المصلين من يجد في صلاته لذة تشغله عما حوله، فمنهم من لا يشعر بوقوع شيء أصلًا، ومنهم من يشعر بذلك لكنه لا يلتفت إليه، ولا يعبأ به، فكأنه لم يشعر، لقوة حضوره في صلاته، وانصرافه لها، وعدم اهتمامه بما سواها وانشغاله عنه.
ذكر بعضهم أن حجرًا من المنجنيق وقع على شرفة المسجد فطارت فلقة منها فمرت بين لحية ابن الزبير وحلقه، وهو قائم يصلي، فما زال عن مقامه، ولا عرف ذلك في صوته، ولا قطع لها قراءته، ولا ركع دون ما كان يركع، فكان إذا دخل في الصلاة خرج من كل شيء إليها.
روي أن ابن الزبير كان يومًا يصلي فسقطت حية من السقف تطوقت على بطن ابنه هاشم، فصرخ النسوة وانزعج أهل المنزل، واجتمعوا على قتل الحية، فقتلوها وسَلِم الولد، فعلوا هذا كله وابن الزبير في الصلاة لم يلتفت، ولا درى بما جرى لابنه حتى سلَّم.
قال ميمون بن مهران: ( ما رأيت مسلم بن يسار ملتفتًا في صلاة قط، ولقد انهدمت ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدمها، وإنه في المسجد يصلي فما التفت. ولما هنئ بسلامته عجب وقال: ما شعرت ) .
ومنهم: من يصيبه في صلاته وجع شديد وألم، فلا يلتفت له، ويستمر في صلاته، قد أنسته لذة الصلاة شدة الوجع، حتى كأنه لا يحس به.
في إحدى الغزوات قام رجل من الأنصار يصلى ليلًا، فرماه أحد المشركين بسهم فنزعه واستمر في صلاته، فرماه بسهم ثان فنزعه واستمر في صلاته، فرماه بسهم ثالث فنزعه وركع وسجد وأتم صلاته. ثم أنبه صاحبه، فلما رأى ما به من الدم قال: سبحان الله! ألا أنبهتني أول ما رمى؟! قال: كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها.
فانظر كيف صبر على تلك السهام، وتحمَّل ألم الجراح، ولم تطب نفسه أن يقطع قراءته لتلك السورة حتى أتمّها. فكم من لذة يجدها هذا الرجل في صلاته. وكم من راحة وسرور، نسي معه تعب السفر، ومشقة الطريق، وهون عليه ضرب السهام.
فاحرص - يا رعاك الله - على إكمال صلاتك وإتمام خشوعها، حتى تجد فيها الراحة والطمأنينة. فلن تكون الصلاة راحة لك، إلا إذا أقمتها كما أمرت، بطمأنينة وخشوع وحضور قلب وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] فالخاشع الصلاة خفيفة عليه، محببة إليه، أما غير الخاشع فالصلاة عليه ثقيلة، لا يجد فيها راحة ولا سرورًا.
اللهم ارزقنا الخشوع في الصلاة، واجعلها قرة عين لنا، يا رب العالمين.
75 وصية للشباب
دار القاسم
الحمد لله القائل: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ [النساء:131] .
والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد القائل: { أوصيكم بتقوى الله عز وجل والسمع والطاعة } ، وتقوى الله طاعته بامتثال أوامره واجتناب نواهيه وهي تثمر سعادة الدنيا والآخرة.
وبعد، فهذه وصايا إسلامية قيّمة في مواضيع مختلفة في العبادات والمعاملات والأخلاق والآداب وغير ذلك من شئون الحياة، نقدمها إلى الشباب المسلم الحريص على معرفة ما ينفعه للذكرى، والذكرى تنفع المؤمنين. راجين أن ينفع الله بها من قرأها أو سمعها، وأن يعظم الأجر والمثوبة لمن ألفها أو كتبها أو نشرها أو عمل بها، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وهي كالآتي:
1 -أخلص النية لله تعالى، واحذر الرياء في القول والعمل.
2 -اتبع السنة المحمدية في جميع الأقوال والأفعال والأخلاق.
3 -اتق الله تعالى، واعزم على فعل جميع الأوامر وترك جميع النواهي.
4 -تب إلى الله تعالى توبةً نصوحًا، وأكثر من الاستغفار.
5 -راقب الله تعالى في جميع حركاتك وسكناتك، واعلم أن الله يراك ويسمعك ويعلم ما يكنه ضميرك.
6 -آمن بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره.
7 -لا تقلد غيرك تقليدًا أعمى، ولا تكن إمَّعة.
8 -كن سابقًا في عمل الخير تؤجر عليه وتنل ثواب من اقتدى بك فيه.
9 -اقتن كتاب ( رياض الصالحين ) واقرأ به على نفسك وعلى أسرتك ( وزاد المعاد لابن القيم ) .