فهرس الكتاب
اتق الله في رعيتك فأنت مسؤول عنهم أمام الله، اتق الله أن يستأمنك الله عليهم فتشرّع لهم أبواب الفتن من أفلام ومسلسلات وأجهزة خبيثة، ومجلات فاتنة ساقطة، إنك بذلك تخون الأمانة وتغش الرعية. قال: { ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرّم الله عليه الجنة } .
أيها الأب الحنون:
أدعوك إلى التأمل في وصية لقمان لابنه الذي يحبه ويفتديه بالغالي والنفيس. هل أوصاه بدنياه؟ هل أوصاه بزخرف؟ لا، بل دعاه إلى ما يحييه حياة طيبة وينجيه من العذاب الأليم، نهاه أن يشرك بالله إنّ الشَركَ لظلمٌ عَظِيم [لقمان:13] . ودله على ما ينجيه من الله.
ألا وهو: الهرب منه إليه تبارك وتعالى بإقامة الصلاة، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ثم يدله على مكارم الأخلاق التي تَسموا به نفسه ويعلو بها مركزه، فلا تكبر على الخلق ولا ذلة، مع قصد في المشي، وخفض في الصوت: إنّ أنكَر الأصّوَِات لَصَوتَ الحمِير [لقمان:19] .
تلك يا عبدالله جملة وصية الأب الحنون، فهل عملت بهذه الوصية مع ابنك؟ هل أوصيته ببعضها، أو بها جميعها؟
إن ديدن بعض الآباء مع الأسف الشديد هو تثبيط همم أبناءهم وتكسير مجاديبهم إذا ما هدى الله ابن بعضهم ذعروا وهبوا، ووصفوه بالوسواس، ووسموه بالعقد النفسية وسخروا منه واستهزأوا به، ولا أحد يدري أيسخرون من شخصه أم من دينه الذي يحمله ويمثله. أهذه هي الأمانة أيها الأب؟ أهذه هي النصيحة لرعيتك؟ اتق الله فيهم، راقب الله في تربيتهم، علمّهم ما ينفعهم في أمور دينهم ودنياهم، ولا تكتف القرار: ومَا هذهِ الحَيَاةُ الدُنيَا إلا لَهوّ ولَعِب وإنّ الدّارَ الآخِرةَ لَهِي الحَيوَانُ لو كَانُوا يَعلمُونَ [العنكبوت:64] .
أيها الأب:
وأنتم تُعدّون أبناءكم لامتحانات الدنيا اتقوا الله فيهم واعلموا أنتم، وعلّموهم أن سلعة الله أغلى وأعلى من زخارف الدنيا، وعلموهم أن النجاح الحقيقي هو قصر النفس على ما يرضي الله، علموهم واعلموا أنتم أن السعادة الحقيقية في تقوى الله وطاعته، ثم اعلموا أنتم أيضًا أنه لن ينصرف أحد من الموقف يوم القيامة وله عند أحد مظلمة، يفرح الأبناء أن يجدوا عند أبيهم مظلمة، تفرح الزوجة أن تجد عند زوجها مظلمة، يأتي الأبناء يوم القيامة يُحاجّون آباءهم بين يدي الله قائلين: يا ربنا خذ حقنا من هذا الأب الظالم الذي ضيعنا عن العمل لما يرضيك، وربّانا كالبهائم وأوردنا المهالك، والذي ما من مفسدة إلا وجعلها بين أيدينا وما من مهلكة إلا وأدخلها علينا، فماذا سيكون الجواب حينئذ أيها الأب الحنون؟
فيا أيها الآباء:
اتقوا الله في أبناءكم، واحسنوا تربيتهم وحفظوهم من الفساد والضياع ما دام الأمر في أيديكم وما دمتم في زمن المهلة قبل أن تندموا وتلوموا أنفسكم في وقت لا ينفع فيه الندم واللوم
أرحنا بالصلاة
عبدالقيوم السحيباني
دار القاسم ...
الحمدلله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
في الحديث:
قال رسول الله: { قم يا بلال فأرحنا بالصلاة } .
بعد جهد جهيد وتعب كبير، يحتاج إلى الراحة، فيبحث عنها في الصلاة، أرحنا بالصلاة، إنه يجد فيها راحة وطمأنينة وسكونًا.
يدخل في الصلاة فينسى هموم الدنيا، وينشغل عن متاعبها، إنه يفرغ قلبه لمناجاة ربه، فلا يبقى فيه مكان لهموم الدنيا ومشاغلها.
إنه يجد فيها راحة لأن قلبه قد امتلأ محبة وتعظيمًا وإجلالًا، لذا فإنه يحب مناجاته، ويجد فيها راحة للنفس، وقوة للقلب، وانشراحًا للصدر، وتفريجًا للهم، وكشفًا للغم.
إن المصلي واقف بين يدي الله جل وعلا، مناج لربه عز وجل، فإذا فرغ قلبه لمناجاته، وأدى حق صلاته، وأكمل خشوعها، وقد امتلأ قلبه محبة لله وتعظيمًا وإجلالًا. فإنه إذا انصرف من صلاته، وجد خفة من نفسه، وأحس بأثقال قد وضعت عنه، فوجد نشاطًا وراحة وروحًا، حتى يتمنى أنه لم يكن خرج منها، لأنها قرة عينه، ونعيم روحه، وجنة قلبه، ومستراحه في الدنيا، فلا يزال كأنه في سجن ضيق حتى يدخل فيها، فيستريح بها، لا منها.
فالمحبون يقولون: نصلي فنستريح بصلاتنا، كما قال إمامهم وقدوتهم ونبيهم: { يا بلال أرحنا بالصلاة } . ولم يقل: أرحنا منها، وقال: { جُُعلت قرة عيني في الصلاة } فمن جعلت قرة عينه في الصلاة، كيف تقر عينه بدونها؟! وكي يطيق الصبر عنها؟!
أمثلة من صلاة بعض السلف
هذه صور تحكي كيف كان السلف رضي الله عنهم ورحمهم يصلون، وتظهر جوانب من الراحة التي كانوا يجدونها في الصلاة.
فمنهم: من كان يطيل صلاته إطالة عجيبة، تدل على أنه يجد فيها راحة بالغة، ولذة وسرورًا، وطمأنينة وسكونًا، يود معها أنه بقي طول وقته في صلاة.
إن إطالة الصلاة إذا كانت باختيار من غير إكراه، ولا سمعة فيها ولا رياء دليل على أن المصلي وجد فيها ابتهاجًا ونعيمًا كبيرًا، وإلا لم يطلها بهذه الصفة، فإن الإنسان إذا ملّ حالة وسئمها، عجل الانصراف عنها.
قال بعضهم: ( ركع ابن الزبير يومًا فقرأ البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وما رفع رأسه ) .
قال علي بن الفضيل: ( رأيت الثوري ساجدًا فطفت سبعة أسابيع - أي 49 شوطًا - قبل أن يرفع رأسه ) .
قال ابن وهب: ( رأيت الثوري في الحرم بعد المغرب صلّى ثم سجد سجدة فلم يرفع حتى نودي بالعشاء ) .
قال عبدان الأهوازي: ( كنا لا نصلي خلف هدبة من طول صلاته، يسبح في الركوع والسجود نيفًا وثلاثين تسبيحة ) .
قال أبو بكر بن عياش: ( رأيت حبيب بن أبي ثابت ساجدًا، فلو رأيته قلت: ميت ) ، يعني من طول السجود.