الصفحة 1995 من 3812

وإنما بوحي وتزيين من الشيطان، يقول تعالى في حق الشيطان: لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا [النساء:118-120] . ومعنى: فَلَيُبَتِّكُنَّ أي يقطِّعُنَّ، ولا ريب أن في حلق اللحية تغييرًا لخلق الله سبحانه وتعالى قد نهى الله عز وجل عنه، يفضي على ما هو أعظم وزرًا وأشد حرمة من ذات الفعل، من التشبه بالنساء وتقمص خلقتهن، وقد لعن رسول الله فاعله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: { لعن رسول الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال } [رواه البخاري] .

يقول ابن القيم رحمه الله: ( وأما شعر اللحية ففيه منافع، منها الزينة والوقار والهيبة، ولهذا لا يُرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يُرى على دوي اللحى، ومنها التمييز بين الرجال والنساء ) .

قلتُ: وهل هناك أظهر من الوجه في الجنسين، فإذا لم يكن حلق اللحية داخل في التشبيه الصريح بقصد أو بغير قصد فما هو التشبه؟!

وأعفيتها لأن في إعفائها موافقة لسمت الأنبياء والصالحين وهديهم

إقرأ إن شئت قوله تعالى مخبرًا عما قاله هارون لأخيه موسى عليهما السلام: يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي [طه:94] . فهذا يدلُّ على أن هارون عليه السلام كان عظيم اللحية. وما رواه مسلم من حديث جابر بن سمرة أن النبي كان كثير شعر اللحية، وكذا كان الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، كما بيَّنته كتب التراجم والسير، والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها ليس فيهم حالق كما يقول الشنقيطي رحمه الله.

قلتُ: وانظر إلى كثير من الأحبار والرهبان كيف ورثوا هذا الفعل ممن ينسبون أنفسهم إليهم، فكان هذا من الحق الذي ورثوه غير محرَّف، ألسنا أولى بهذا من المشركين بدلًا من التشبه بمن لا خلاق لهم ولا دين؟!

أما عن تقصيري لثوبي، فتلك صفة المؤمن كما أخبر بذلك رسول الله حيث قال: { إزرةُ المؤمن على نصف الساق } ثم قال بعد ذلك: { ولا جناح عليه فيما بينه وبين الكعبين } [رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني ] . ومعنى قوله: { لا جناح } أي: لا إثم.

وفي تقصيره تقوى الله سبحان وتعالى، وبُعدًا عن أسباب الكِبر التي قد تُفضي إلى غضب ا لله ومقته، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله: { من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة } فقال أبو بكر: إن أحد شِقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، قال: { إنك لست ممن يفعل ذلك خّيلاء } [وراه البخاري] .

والشاهد من هذا الحديث أن أبا بكر كان يتعاهد إزاره، والذي يفعل هذا يكون أبعد الناس عن الكِبر وإلا لما تعاهده، وهكذا كان أصحاب رسول الله ، فلم يتعمد أحدٌ منهم إرخاء ثوبه زاعمًا أنه لا يطيله خيلاء، بل الإصرار على إطالة الثوب دالة على التكبر كما يقول ابن العربي رحمه الله، وإلا فما الذي يمنع من رفعه إلى ما فوق الكعبين بقليل، لأجل هذا بيّن رسول الله أن الإسبال من المخيلة كما في حديث جابر بن سليم الطويل وفيه: { وارفع إزارك إلى نصف الساق، فإن أبيتَ فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة } [رواه الترمذي وصححه] .

يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى: ( فجعل الإسبال كله من المخيلة ؛ لأنه في الغالب لا يكون إلا كذلك، ومن لم يُسبل للخيلاء فعمله وسيلة لذلك، والوسائل لها حكم الغايات ) . فرسول الله وأصحابه رضوان الله عليهم يقصرون ثيابهم و يتعاهدونها عند إسترخائها، وأنا أطيل ثيابي زاعمًا أن ما قد يعتريها لا يعتريني، معاذ الله أن أفعل ذلك، فلا أنجى ممن يتَّهم نفسه، ولي في رسول الله وأصحابه أسوة حسنة.

وفي تقصير الثوب صيانة له من الوسخ والنجاسات

ورحم الله عمر بن الخطاب فقد كان يحتضر وعندما رأى شابًا ممن جاءوا يعودونه وقد كان إزاره يمسُّ الأرض فقال له: { إرفع ثوبك فإنه أنقى لثوبك وأتقى لربّك } [رواه البخاري] . وهذا يدلك على أهميه هذا الشأن عند المتقين، فالذي يسمع هذا من عمر ويقرأ حديث رسول الله: { ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار } . وحديث أبي ذر أن رسول الله قال: { ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، فقرأها رسول الله ثلاث مرات، قال أبو ذر: خابوا وخسروا، مَن هم يا رسول الله؟ قال المُسبل والمنّان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب } [رواه مسلم] .

إن الذي يقرأ هذه الأحاديث ينبغي عليه أن يخشى الله عز وجل ولا يطيل ثيابه إلى ما أسفل من الكعبين، فإن ذلك إن لم يكن بقصد الخيلاء فقد يكون وسيلة إليه، لأجل هذا أعفيتُ لحيتي وقصَّرتُ ثوبي.

وأسأل الله سبحانه وتعالى الثبات على طاعته ولزوم أمره لي ولجميع المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

كيف تقضي الإجازة

إبراهيم بن مبارك بو بشيت

دار الوطن ...

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين... وبعد:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت