فهرس الكتاب
فمن نعم الله على عباده أن أحل البيع وأباحه لهم، وحرم عليهم الربا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] .
وفي البيع تحصيل لمنافع عظيمة يحتاجها الناس في حياتهم، لأن الناس لابد وأن تتعلق نفوسهم بما في يد الغير، فكان البيع هو الوسيلة التي أباحها الله لعباده لكي يصلوا إلى ما يريدون، وهو بذل الثمن لتملك المثمن.
وحديثنا هنا نخص به التاجر المسلم: الذي اختار البيع والشراء وسيلة لكسب المال، وأنعم بها من وسيلة، فالنبي اشتغل بالتجارة مدة من الزمن، وكثيرٌ من الصحابة كانوا تجارًا كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. ولم تكن تلك التجارة أو الأموال التي اكتسبوها مانعة لهم من إقامة شعائر الله أو التفريط فيها، بل بذلوها رخيصة لدين الله وفي سبيله، فلم تكن الدنيا قطٌ في قلوبهم بل كانت في أيديهم، ولا أدل على ذلك إلا فعل أبي بكر عندما جاء بكل ماله لرسول الله متصدقًا به يرجو الثواب من الله عز وجل، فقال له رسول الله: { ماذا تركت لأهلك؟ } قال: تركت لهم الله ورسوله [رواه أبو داود:1678] .
وكذلك عثمان له في هذا قصص مشهورة ومن أعظمها بذل كثير من ماله لتجهيز جيش العسرة، حتى قال له رسول الله: { ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم } مرتين [رواه الترمذي وقال: حسن غريب من هذا الوجه] .
أخي التاجر المسلم: لما أُخاطبك بالتاجر المسلم، أعني أنك لست كالتاجر الكافر همّه كيف الحصول على المال بأي وسيلة كانت، وكيف يخرج المال من جيوب الناس.. ولما أُخاطبك بالتاجر المسلم فإنني أخاطب فيك إسلامك وإيمانك، لأن الشواهد والتجارب أكدت على أن من لم يكن عنده دين، لا يتوانى عن ركوب كل طريق حتى يحصل على المال، مهما كانت الوسيلة وهل هي مشروعة أو غير مشروعة، وهل هي مفسدة للقيم والأخلاق أو غير مفسدة، المهم عنده الحصول على المال بأي ثمن.
ولذا فإننا نوجه لإخواننا التجار نصيحة نرجو أن تنير لهم الطريق، وتقوم المعوج، وترشد الضال إلى سواء السبيل. فأقول مستعينًا بالله:
أيها التاجر المسلم عليك بالنصيحة للمسلمين، وعدم غشهم، ومن صور النصيحة التي تبذلها للناس. الربح المعقول الذي لا يشق على المشتري، وإخباره عن جودة السلعة وعدم المبالغة فيها، وعدم كتمان عيوبها، فإن كتمان العيب في السلعة غشٌ لا يرضي الله عز وجل، وهو ممحق لبركة البيع، نازعٌ لها، قال: { البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعها } [رواه البخاري:2110، ومسلم:1532] .
وقم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنها من أعظم القرب، وليكن أمرك ونهيك ودعوتك بالحسنى وبالقول الحسن، وعليك بلين الكلام فإنه طريق لفتح قلوب الأبواب المغلقة. وطرق الدعوة كثيرة، كالتذكير بالله لمن يأتيك في متجرك، أو توزيع الكتب والأشرطة... إلخ.
وعليك بصدق الحديث، وحسن المعاملة: فإن من اتقى الله، وصدق الناس، وأحسن إليهم نال رضا الله، وجعله الله محبوبًا إلى الخلق، ورزقه من حيث لا يحتسب.
وأقل الناس إن هم اشتروا من عندك سلعة ثم ندموا فإن كثيرًا من الناس قد يشترون شيئًا ثم يندمون عليه، ويتحسرون، ويتمنون أنهم لم يشتروه، فإن جاءوك ليردوا ما أخذوه وكان سليمًا، فاعذرهم واردد لهم أموالهم، ولا تجبرهم على الشراء مما عندك فقد لا يريدونه، ولا يغلبنك حب الدنيا على نفع الناس، والحق أنك تنفع نفسك. قال: { من أقال مسلمًا أقال الله عثرته } [رواه أبو داود:3460] .
وكن سمحًا في البيع والشراء، وأنظر المعسر، وتجاوز عنه لعل الله أن يتجاوز عنك في وقت أنت أحوج ما تكون إلى تجاوز الله عنك. قال: { رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى } [رواه البخاري:2076] . وقال: { كان تاجر يداين الناس فإذا رأى معسرًا قال لفتيانه تجاوزوا عنه لعل الله أن يتجاوز عنا فتجاوز الله عنه } [رواه البخاري:2078، ومسلم: 1562] وقال: { من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله.. } الحديث. [رواه مسلم:3014] .
أد زكاة مالك. فهو حق الله لا لك، فإنك إن فعلت أطعت ربك، وبارك لك في مالك، وإن عصيته وحبست حق الله عليك، نزعت البركة منه، ويكون وبالًا عليك في الدنيا والآخرة، ونالك ما نال الذي يكنز الذهب والفضة، قال تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:35،34] .
ثم إنك بمنعك زكاة مالك - حق الله عليك - تكون قد أسأت إلى خلق الله، لأنك كنت سببًا في منع الغيث من السماء، قال {.. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا..} [رواه ابن ماجه:4019، وقال الألباني حسن: برقم 3262] .
إنفع نفسك بالإنفاق في سبيل الله، فإنك إن بذلت مالك لوجه الله، وأنفقته في سبيله، تنفع نفسك ويقربك عند مولاك، وليس لك من مالك إلا ما أنفقته في سبيله. فعن عبد الله بن الشخير قال: ( أتيت النبي وهو يقرأ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ) ، قال: ( يقول ابن آدم: مالي، مالي ) قال: { وهل لك يا ابن آدم من مالك، إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت } [رواه مسلم:1631] .