الصفحة 2005 من 3812

يا أبتي: قرأت في كتاب الله أن الله قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات:11] . فلماذا أسمع منك تلك العبارات الغشاشة، والألفاظ القبيحة، والأوصاف الجارحة التي تشتمني بها؟! فلماذا تسخر من هفواتي؟ وتهزأ من سقطاتي؟ فلماذا تلمزني بالألقاب؟ وتسخر مني وتزدريني لأتفه الأسباب؟ فإذا أخذت قلمًا من جيبك بدون علمك قلت.. يا سارق..!! وإذا داعبت أخي وأخذت من يده شيئًا.. ولو بالخطأ قلت.. يا محتال..!! وإذا تأخرت يومًا في تنفيذ أمرك لشغل عارض قلت.. يا كسول..!! وإذا ضربت أختي الصغيرة مرة واحدة ناديتني يا شرير..!! وإذا كذبت مرة واحدة ـ ولو مازحًا ـ قلت: يا كذاب..!! أحس كياني تغير، ولوني تبدل، وأحس بحرقة تسري في ضلوعي، وحرارة تسكن في حلقي كمرارة كلماتك الجارحة التي تقذفها كصخور البركان الثائر..!!

يا أبتي: قال رسول الله: { ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء } . والذي يقصم الظهر ـ يا أبتي ـ أني أراك تهزأ بي وتسخر مني وتكيل لي السب والشتم أمام الناس. فأصبح أمامهم منكسرًا مهزوم الإحساس فأصبحت النصيحة قبيحة، والتعليم فضيحة..

الشجار والمخاصمة:

يا أبتي: ما زلت أسمع أن البيوت مراتع حنان، وجنان أمان. بيوت تظللها المحبة، وتكتنفها الألفة. ويغشاها الوداد. فلماذا ـ يا أبتي ـ بيننا خلاف ما أسمع وأرى؟! لقد أصبح بيننا ساحة معركة تدور رحاها بينك وبين والدتي لتطحن سعادتنا وأنسنا وبهجتنا، وكأنكما وحشان كاسران يريد كل واحد منهما أن يلتهم الآخر؟!

لماذا ـ يا أبتي ـ لا تكفان عن هذه المخاصمة وهذا الشجار الذي حرق أعصابنا ومزق سعادتنا، وجعل بيتنا جحيمًا لا يطاق؟!

إني ـ يا أبتي ـ أحرص الحرص كله على ألا أدخل البيت، بل وأتمنى متى أخرج منه كأسير كبلته القيود وصفدته الأغلال ينتظر متى تحل قيوده ليطلق قدميه للعنان. فإذا خرجت منه تقاذفتني الدنيا فضاقت عليّ بما رحبت، وضاقت عليّ نفسي، وكلّت من المشي قدمي، وتعبت من الهم روحي، عدت إليه مهزومًا مكدودًا مخذولًا كعبد رقيق رد إلى سيده وقد عصاه الدهر كله، فأكون كمن يستجير من الرمضاء بالنار.

فمتى ـ يا أبتي ـ أحس فيه بالأمن الذي أتمناه؟! ومتى...؟!

يا أبتي: وإذا ما جئتني يومًا لتحملني من مستشفى، أو تزورني في سجن، أو تبحث عني بين شلة فاسدة أو في بؤرة فاجرة. أو لتنتشلني من ورطة قاهرة، فلا تلمني ولكن وجه اللوم لنفسك، فإني ضحية الخصام والشجار، كعود هشمته المعاول وألقي في لهيب النار..؟!

موازين مختلفة:

يا أبتي: إني أرتضع منك كل مبدأ تحمله، وكل هدف تعيش له، وكل خلق تتحلى به، وكل سنة تتزين بها. وأحسبني إلا فرعًا في شجرة أنت أصلها..

ينشأ الصغير على ما كان والده *** إن العروق عليها ينبت الشجر

قال رسول الله: { كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه } .

فلماذا ـ يا أبتي ـ ربيتني على مفاهيم مغلوطة وموازين مقلوبة ومقاييس مختلفة، فعشت عليها ووزنت الناس بها وتعاملت مع الأشياء من خلالها..؟! فقد علمتني أن التعامل بالحسنى والأخلاق الطيبة إنما هي سذاجة وحماقة تجر على صاحبها الخسارة والفاقة. وإن الكذب في الحديث والنفاق في المعاملة والتلون في المخاطبة إنما هي سياسة وكياسة. وأن التحايل على الناس وغشهم وسلب ممتلكاتهم نوع من الذكاء والدهاء. وأن الألفاظ الساقطة والحركات البذيئة إنما هي دعابة ولطافة لا ضير فيها ولا تثريب عليها. وأن صدق اللهجة وبذل المهجة إنما هو خيال ويجر إلى وبال. وأن بذل النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهر بالحق إنما هي سلب للحريات وهدر للكرامات وتدخل في حياة الآخرين. فنشأت ـ وللأسف ـ ذكيًا غير زكي. وترعرعت ـ ويا للحسرة ـ قويًا غير نقي. وماذا إلا لبذرة فاسدة غرست في أرض طاهرة فأنتجت ثمرة كاسدة كما قال رسول الله: { أيما راع غش رعيته فهو في النار } .

الدعاء عليه:

لماذا ـ يا أبتي ـ عندما أفعل ما يغضبك. وأجترح ما يسخطك ترفع أكف الضراعة إلى الله الذي يسمع من دعاه ويجيب من ناداه. فتدعو عليّ بالويل والثبور وسيئات الأمور، وترجوه أن ينزل بي ما لا ترضاه لأعدى أعدائك فكيف بأقربهم منك وأحبهم إليك؟! قال رسول الله: { ثلاث دعوات مستجابات، لا شك فيهن: دعوة الوالد على ولده، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم } . فلعلها ـ يا أبتي ـ دعوة منك توافق إستجابة من الله وأخسر الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين.

والرسول الكريم ينادي مشفقًا في سنته على أمته فيقول: { لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجاب لكم } .

وعليك ـ يا أبتي ـ بالدعاء في آناء الليل وأطراف النهار، في سرك وعلانيتك، في رغبك ورهبك، في عسرك ويسرك، في منشطك ومكرهك، فلعلك ـ يا أبتي ـ ترفع يدك، وتذرف عيناك، ويقشعر جلدك، ويلين قلبك، ويلهج لسانك، فتقول: يا الله.. فيقول لك من يجيب دعوة الداعي إذا دعاه: لبيك يا عبدي.. فتقول: يا رب.. ابني.. ثم ابني.. ثم ابني.. فيقول لك المجيب القريب: قد فعلت، فتكتب لي سعادة في الدنيا والعقبى وذلك هو الفوز العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت