فهرس الكتاب
فمتى أخذت بيدي يومًا وذهبت بي إلى محاضرة قيمة يزداد فيها علمي وعملي..؟! ومتى دخلت عليّ يومًا بشريط إسلامي مفيد يعمر به وقتي وتكثر به حسناتي؟! ومتى أهديتني كتابًا دينيًا يأخذ بيدي في دربي في هذا الزمان الذي كثرت ظلماته وأدلهمت شبهاته وشهواته؟؟ ومتى ألصقت قدمي بقدمك وكتفي بكتفك لأداء الصلاة امتثالًا لأمر الله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى [طه:132] . فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ [النور:36] . والتزامًا بأمر رسول الله: { مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها } ؟! ومتى حفّظتني القرآن؟! ومتى فقّهتني في الدين؟!
قال رسول الله: { إن الله سائل كل راع عما استرعاه، أحفظ ذلك أم ضيّع، حتى يسأل الرجل عن أهل بيته } .
تهيئة جو المعصية:
يا أبتي: هل رأيت يومًا قاربًا صغيرًا تصارعه أمواج البحر في عتو واستكبار؟؟ أو أبصرت زهرة ندية تقاوم ـ على ضعفها ـ سطوة إعصار؟! أو لمحت طائرًا ضعيفًا مكسور الجناح تطارده سباع وضباع في نهم وسعار؟؟ إني ـ يا أبتي ـ أضعف من هؤلاء جميعًا في جو من الفتن والشهوات والشبهات الذي أعيشه ليلًا ونهارًا.. فالعين لا ترى إلا ما يسحرها.. والأذن لا تسمع إلا ما يطربها.. والجوارح لا تعيش إلا ما يغريها.. والقلب لا يشعر إلا بما يفتنه.. والعقل لا يدرك إلا ما يغسله..
لقد هيأت لي ـ يا أبتي ـ جو المعصية وأحطتني بسياج الخطيئة، فتنفست رائحة الشهرة في الشهيق فأخرجت ذلك معصية لله تعالى مع الزفير.. إن قنوات التلقي عندي لا تلتقط إلا ما يفتن فأصبح البث ممزوجًا بالخطايا والرزايا والبلايا. ألقيتني ـ يا أبتي ـ في بحر الشهوات ولم تلبسني طوق نجاة ثم تريدني بعد ذلك أن أكون ملكًا معصومًا!! هيهات.. هيهات..
يا أبتي: إني لا أريد أن أكون خصيمًا لك يوم القيامة يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:89،88] . فأمسك بتلابيبك يوم القيامة يوم الحسرة والندامة فأقول: يا رب خذ لي مظلمتي من والدي.. يا رب إنه رآني على المعصية فلم ينهني.. يا رب إنه أبصرني محجمًا عن المعروف فلم يأمرني.. يا رب إنه بذل لي أسباب المعصية، وزين في عيني الخطيئة وألقاني في نار الشهوات، فأحرقت إيماني والتهمت حسناتي وقد قال رسول الله: { مثل الذي يعين قومه على غير الحق، مثل بعير تردى وهو يجر بذنبه } .
يا أبتي: إني أمانة في عنقك.. وأنت مسؤول عني أمام ربي وربك.. قال رسول الله: { كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع في مال أبيه وهو مسؤول عن رعيته، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته } . فاشغلني بطاعة الله حتى لا أشغل نفسي بمعصيته.. استعملني في مرضاة الله حتى لا أقع فيما يغضبه.. سخرني في قربات الله كي لا أجترح ما يسخطه..
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6] .
يا أبتي: برّني صغيرًا حتى أبرّك كبيرًا. ولا تعقني صغيرًا كي لا أعقك كبيرًا فكما تدين تدان، وماتزرعه اليوم تحصده غدًا، ومن أراد النجاة أخذ بأسبابها.
مخالفة الفعل للقول:
يا أبتي: إنني أعيش في تخبط عجيب وصراع غريب.. وذلك لأني أراك.. تأمرني بأمور أنت لا تفعلها.. وتنهاني عن أمور أنت ترتكبها..؟!
فهل تريدني أن أقتدي بأقوالك أو بأفعالك التي بينها بعد المشرقين..؟ فأنت تأمرني بالصدق وتحثني عليه، وترغبني فيه، وتحذرني من الكذب وتنهاني عنه.. وأراك في مواضع كثيرة تمارس ما نهيتني عنه وحذرتني منه..؟؟ فتكذب تارة بل وتأمرني بالكذب تارة أخرى..؟؟ فهل تذكر ـ يا أبتي ـ عندما طرق علينا طارق يريدك ويبغيك فأمرتني أن.. أقول له: إن والدي غير موجود..؟؟ فألزمتني أن أقول بلساني ما تكذبه عيني.. وأتحدث بفمي ما يأباه قلبي.. ويغضب ربي..
وتأمرني ـ يا أبتي ـ بأن آكل الحلال، وأكون أبعد ما أكون عن الحرام، وتحدثني بقول المصطفى: { كل جسد نبت من السحت فالنار أولى به } . وإذا بك ترسلني كي أشتري لك علبة دخان أو أوقد لك مئذنة الشيطان.
لقد أصبحت المثل والقيم التي تعلمني إياها في نظري كلامًا نظريًا لا يمت للواقع بصلة: فقد ألفيتني أتعلم منك كلامًا في الصباح وأرى ما يخالفه أفعالًا في المساء..؟؟ فبماذا أقتدي؟؟ أبأقوالك أم بأفعالك؟! بحديثك أم سلوكك؟؟ بكلامك أم بصفاتك؟؟
ولا تلمزوا أنفسكم: