فهرس الكتاب
ففي الحديث الصحيح يذكر النبي: { إن لله تبارك وتعالى ملائكة يطوفون في الطريق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم قال: فيحفوهم بأجنحتهم الى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم عز وجل ـ وهو أعلم منهم ـ: ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك. قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدًا وأكثر لك تسبيحًا. قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: هل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، فيقول: فكيف لو رأوها، فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا وأشد لها طلبًا وأعظم فيها رغبة. قال: فمم يتعوذون؟ قال: فيقولون: من النار، قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فكيف لو رأوها؟ فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا وأشد منها مخافة. قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم } [رواه البخاري (6408) ، ومسلم (2689) بلفظ غير هذا اللفظ المذكور] . وقال عليه الصلاة والسلام: { ما جلس قوم يذكرون الله تعالى فيقومون حتى يقال لهم: قوموا قد غفر الله لكم ذنوبكم، وبدّلت سيئاتكم حسنات } [والحديث في السلسلة الصحيحة (2210) ] . وأما الذين يجلسون في مجلس لا يذكرون الله ولا يصلون على النبي فإن النبي يقول فيهم: { ما اجتمع قوم ـ ثم ـ تفرقوا عن غير ذكر الله، وصلاة على النبي إلا قاموا عن أنتن من جيفة } [أخرجه الطيالسي وغيره، وصححه الإمام الألباني في صحيح الجامع (5506) ] . وفي رواية: { إلا كأنما تفرقوا عن جيفة حمار } [أخرجه الإمام أحمد، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5508) ، وقال عن مجلس القوم الذين لم يذكروا الله ولم يصلوا على النبي فيه: { وكان ذلك المجلس عليهم حسرة } [نفس التخريج السابق برقم (5508) ] ، وقال أيضًا: { إلا كان مجلسهم ترة ـ أي حسرة وندامة ـ عليهم يوم القيامة } [أخرجه الإمام أحمد، وابن حبان، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5510) ] ، وفي رواية: { إلا كان عليهم ترة } [أخرجه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5507) ] .
وفي الختام
أسأل الله جل وعلا أن ينفعني وجميع المسلمين والمسلمات بهذه الصفحات الضئيلة العدد والكلمات اليسيرة، وأن تكون خالصة لوجهه الكريم وحجة لنا لا علينا. كما أسأله سبحانه وتعالى أن يكتب الأجر ويجزل المثوبة لمن كتبها وقرأها وسمعها، ومن ساهم في إخراجها، ومن أشار وأعان على طباعتها ومن قام بنشرها وتوزيعها اللهم آمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسولنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين والتابعين لهم بإحسان الى يوم الدين والحمد لله رب العالمين.
من عبد الله بن حذافة إلى شباب المسلمين
عبدالملك القاسم
دار القاسم ...
استوقفني شاب مسلم اسمه عبد الله يرتفع الآذان وتقام الصلاة بجواره وهو غير عابئ بذلك النداء وكأنه موجه لغيره من أصحاب الديانات الأخرى وأطلقت بصري فإذا شاب آخر اسمه عبد الله وهو يهز رأسه طربًا ويهتز لحمه وعظمه على أنغام أصوات مغنٍ غربي! وقلبت إحدى المجلات فإذا بمن اسمه عبد الله وهوايته الرقص والموسيقى! وشرقت وغربت.. وتأملت فإذا الأمر أعظم من ذلك؟
عندها انطلقت استحث الخطا وأسابق الركب عبر أربعة عشر قرنًا لأرى حال من كان اسمه عبد الله! فإذا أمة من الناس رفعوا للأمة رأسًا وأعلوا للدين منارًا، ولا يزال التاريخ يردد جهادهم وصبرهم على صغر سن فيهم وحداثة دين منهم! لكن نتوقف مع شخص مرت به أحداث خطيرة ومواقف عظيمة وقابل رؤساء أعظم دول عصره، استقبله كسرى ملك الفرس وقيصر عظيم الروم وهو الرجل العربي الذي لا تهمه البرتوكولات ولا التقاليد الرسمية.. لا يعرف إلا شمسًا محرقة وسماء صافية وخباءٍ في ظل شجرة يحوي كسرة خبز!
أقبل ميممًا وجهه نحو إيوان كسرى وملك قيصر ففُتحت له الكنوز والخزائن! وألقت إليه الحضارة في حينه بركابها لكنه أبى أن يمتطيها وأعرض عن زينتها.. قاسمة كسرى ملكه الواسع وغناه الفاحش لكنه رفض! قدم له ابنته الفاتنة لكنه أشاح بوجهه وأبى! نعم رفض تمييع دينه وأبى ترك ملته وجانب الدنيا.. مؤمنٌ يستشرف الجنة ويسعى إلى نيلها! لننطلق نرى ما يقوله أصحاب السير عن هذا الرجل الفذ!
مع إقامة الدولة الإسلامية في المدينة ولرغبة إخراج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ولتبليغ هذا الدين إلى أقصى الأرض.. في السنة التاسعة عشرة للهجرة بعث عمر بن الخطاب جيشًا لحرب الروم فيه وجوه الأمة ورجالها. وقد أفزع قيصر عظيم الروم هذا الزحف القادم من صحراء جزيرة العرب القاحلة وناله الرعب واستولى على قلبه الهلع. فأمر رجاله إذا ظفروا بأسير من أسرى المسلمين أن يأتوا به إليه ليرى حالهم ويسمع من أفواههم.. وكان ذلك الأسير الذي أخذ إلى ملك الروم هو عبد الله بن حذافة رضي الله عنه!.. لم يكن قيصر إلا رجلًا داهية وسياسيًا محنكًا يعرف مواطن الضعف عند الرجال ويعلم محبة النفوس للدنيا.. تأمل قيصر في طلعة عبد الله بن حذافة وصلابة عوده وقوة شكيمته فبادره قائلًا: إني أعرض عليك أمرًا.. أعرض عليك أن تتنصر فإن فعلت خليت سبيلك وأكرمت مثواك!
إنه عرض مغر لأسير ينتظر الموت لكن القلوب تختلف والرجال تتباين.. كان الرد الفوري والحازم ممن عمر الإيمان قلبه: هيهات هيهات.. إن الموت لأحب إليَّ ألف مرة مما تدعوني إليه!