الصفحة 2012 من 3812

أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحاب فإذا تعارض حب الله تعالى وحب غيره سبق حب الله تعالى حب ما سواه فرتب على ذلك مقتضاه وما أسهل هذا بالدعوى وما أصعبه بالفعل (فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان) .

وما أكثر ما يقدم العبد ما يحبه هو ويهواه أو يحبه كبيره وأميره وشيخه أو أهله على ما يحبه الله تعالى فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحاب و لا كانت هي الملكة المؤمرة عليها وسنة الله تعالى فيمن هذا شأنه أن ينكد عليه محابه وينغصها عليه ولا ينال شيئًا منها إلا بنكد وتنغيص جزاءًا له على إيثاره هواه وهوى من يعظمه من الخلق أو يحبه على محبة الله تعالى.

الأمر الثاني: الذي يستقيم به القلب تعظيم الأمر والنهي وهو ناشيء عن تعظيم الآمر الناهي فإن الله تعالى ذم من لا يعظمه ولا يعظم أمره ونهيه قال الله تعالى: مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا [نوح:13] ، قالوا في تفسيرها مالكم لا تخافون لله تعالى عظمة!

حقيقة تعظيم الأمر والنهي

وما أحسن ما قال شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: هو ألا يعارضا بترخص جاف ولا يعارضا بتشديد غال ولا يحملا على علة توهن الانقياد.

ومعنى كلامه أن أول مراتب تعظيم الحق عز وجل تعظيم أمره ونهيه وذلك لأن المؤمن يعرف ربه عز وجل برسالته التي أرسل بها رسوله إلى كافة الناس ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز وجل واتباعه وتعظيم نهيه واجتنابه فيكون تعظيم المؤمن لأمر الله تعالى ونهيه دالًا على تعظيمه لصاحب الأمر والنهي ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالأيمان والتصديق وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر لنظر الخلق ولب المنزلة والجاه عندهم ويتقي المناهي خشية السقوط من أعينهم وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود التي رتبها الشارع على المناهي فهذا لبس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي ولا عن تعظيم الآمر الناهي.

علامات تعظيم الأوامر

فعلامة التعظيم للأوامر:

-رعاية أوقاتها وحدودها.

-والتفتيش على أركانها وواجباتها وكمالها.

-والحرص على تحسينها وفعلها في أوقاتها.

-والمسارعة إليها عند وجوبها.

-والحزن والكآبة والأسف عند فوات حق من حقوقها.

تعظيم شأن الصلاة

كمن يحزن على فوت الجماعة، ويعلم أنه لو تقبلت منه صلاته منفردًا، فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضعفًا.

وكذلك إذا فاته أول الوقت الذي هو رضوان الله تعالى، أو فاته الصف الأول الذي يصلي الله وملائكته على ميامنه، ولو يعلم العبد فضيلته لجالد عليه، ولكانت قرعة.

وكذلك فوت الخشوع في الصلاة، وحضور القلب فيها بين يدي الرب تبارك وتعالى، الذي هو روحها ولبّها، فصلاة بلا خشوع ولا حضور كبدن ميت لا روح فيه، أفلا يستحي العبد أن يهدي إلى مخلوق مثله عبدًا ميتًا أو جارية ميتة؟ فما ظن هذا العبد أن تقع تلك الهدية ممن قصده بها من ملك أو أمير أو غيره، فهكذا سواء الصلاة الخالية عن الخشوع والحضور وجمع الهمة على الله تعالى فيها بمنزلة هذا العبد - أو الأمة - الميت الذي يريد إهداءه إلى بعض الملوك، ولهذا لا يقبلها الله تعالى منه وإن أسقطت الفرض في أحكام الدنيا، ولا يثيبه عليها، فإنه ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منهما، كما في"السنن"و"مسند الإمام أحمد"وغيره عن النبي أنه قال: { إن العبد ليصلي الصلاة وما كتب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خمسها... حتى بلغ: عُشرها } [رواه أحمد وأبو داود] .

التفاضل بحسب ما في القلوب

وينبغي أن يعلم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فتفاضل الأعمال عند الله تعالى بتفاضل ما في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والمحبة وتوابعها، وهذاالعمل الكامل هو الذي يكفّر الذنوب تكفيرًا كاملًا، والناقص بحسبه، وبهاتين القاعدتين تزول إشكالات كثيرة، وهما:

-تفاضل الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان.

-وتكفير العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه.

مفسدات الأعمال

ومحبطات الأعمال ومفسداتها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه:

فالرياء - وإن دقّ - محبط للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر.

وكون العمل غير مقيد باتباع السنة أيضًا موجب لكونه باطلًا.

والمن به على الله تعالى بقلبه مفسد له.

وكذلك المن بالصدقة والمعروف والبر والإحسان والصلة مفسد لها، كما قال سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى [البقرة:264] وأكثر الناس ما عندهم خبر من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] . فحذر سبحانه المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله كما يجهر بعضهم لبعض، وليس هذا بردّة، بل معصية يحبط بها العمل، وصاحبها لا يشعر بها، فما الظن بمن قدّم على قول الرسول وهديه وطريقه قول غيره وهديه وطريقه؟ أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟ ومن هذا قوله: { من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله } [رواه البخاري] .

فمعرفة ما يفسد الأعمال في حال وقوعها ويبطلها ويحبطها بعد وقوعها من أهم ما ينبغي أن يفتش عليه العبد، ويحرص على عمله ويحذره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت