الصفحة 2013 من 3812

وقد جاء في أثر معروف: وإن العبد ليعمل العمل سرًا لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى، فيتحدث به، فينتقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فإن تحدث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى أبطله كما لو فعله لذلك.

تدافع الحسنات والسيئات

فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل؟

فالذي يظهر لي - والله تعالى أعلم - أن الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل، ويكون الحكم فيها للغالب، وهو يقهر المغلوب ويكون الحكم له، حتى كأن المغلوب لم يكن، فإذا غلبت على العبد الحسنات رفعت حسناته الكثيرة سيئاته، ومتى تاب من السيئة ترتب على توبته منها حسنات كثيرة قد تربي وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة، فإذا عزمت التوبة وصحت، ونشأت من صميم القلب، أحرقت ما مرت عليه من السيئات، حتى كأنها لم تكن، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

الذنوب أمراض القلوب

يوضّح هذا أن السيئات والذنوب هي أمراض قلبية، كما أن الحمّى والأوجاع أمراض بدنية، والمريض إذا عوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها حتى كأنه لم يضعف قط.

فالقوة المتقدمة بمنزلة الحسنات، والمرض بمنزلة الذنوب، والصحة والعافية بمنزلة التوبة سواء بسواء، وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدًا لضعف عافيته، ومنهم من تعود صحته كما كانت لتقاوم الأسباب وتدافعها، ويعود البدن إلى كماله الأول، ومنهم من يعود أصح مما كان وأقوى وأنشط لقوة أسباب العافية وقهرتها وغلبتها لأسباب الضعف والمرض، حتى ربما كان مرض هذا سببًا لعافيته، كما قال الشاعر:

لعل عتبك محمود عواقبه *** وربما صحت الأجسام بالعلل

فهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث.

علامات تعظيم المناهي

وأما علامات تعظيم المناهي:

1-فالحرص على التباعد من مظانها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها.

2-أن يغضب لله عز وجل إذا انتهكت محارمه.

علامات تعظيم الأوامر والمناهي

1-ألا يعارضا بترخص جاف، ولا يعارضا بتشديد غال، فإن المقصود هو الصراط المستقيم الموصل إلى الله عز وجل بسالكه.

2-ألا يُحمل الأمر على علة تضعف الانقياد والتسليم لأمر الله عز وجل، بل يسلم لأمر الله تعالى وحكمه، متمثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه أو لم تظهر.

والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سوا

لماذا أصلي

عبدالرؤوف الحناوي

دار الوطن

قال له صاحبه وهو يحاوره: عجبًا من أمرك ما أشد لحظك، وما أكثر انتقادك، أفعجبت أن يكون هذان الرجلان متلاصقين منكبًا، متحدين كلمة، يود أحدهما لو يسكب قلبه على صاحبه، ويتمنى الآخر لو يجعل روحه في يده فدى له، أتدري من هما؟ والد وولد، والد يحن وولد يبر، أفسرتك هذه الصلة بينهما؟

قال: أي وربي، وهل أعظم من صلة توثق القلوب وتجمع الشمل، وتقوم برهانًا على اعتراف بالفضل وشكر على النعم؟ وهل يعيش الإنسان في هذه الحياة منقطعًا عن صلة القربى والجوار والصحبة والزمالة؟ أليس اجتماعيًا في فطرته وتكوينه؟

قاله له صاحبه: أراك موقنًا بضرورة الصلة بين الناس على أسس من التعاطف والتعاون، والإقرار بالفضل والإحسان.

قال: أجل.

قال: فإن تنكر أحد للمعروف وجحد الفضل؟

قال: أو يفعل ذلك إنسان فيه مسحة من حياء أو ذرة من ضمير؟

قال: نعم. أنت.

فاستشاط غضبًا، وهم به، ثم تراجع وتقلص في نفسه وقال: وبم؟

قال: لأنك تنكر فضل الله عليك ونعمته.

قال: وكيف ذاك؟

قال: أليس الله ذا منة وفضل؟

قال: بلى.

قال: وهل يستحق الشكر على ذلك.

قال: نعم.

قال: وكيف يكون شكره؟ فسكت قليلًا يستشير أفكاره فلم تسعفه.

قال: لا أدري، وخجل، ثم سكت لحظة وقال: دلني على الطريقة التي أؤدي شكره فيها.

قال: هناك طريقتان لابد لتحقيق الشكر من وجودهما معًا:

الأولى: أن تعترف له الفضل والإحسان من أعماق قلبك لا بلسانك فحسب وتدلل على ذلك بوضع جبهتك على الأرض سجودًا له وخضوعًا.

الثانية: أن تحافظ على هذه النعم فتجعلها في المواضع التي يرضاها لك.

قال: كلامك حق صدق، ولك عليّ عهد الله وميثاقه أن لا أدع الصلاة ما حييت - ولكن لي صديق عزيز عليّ، شأنه في الصلاة شأني: فهل لك أن تكتب لي كلمة في هذا الموضوع أوجهها إليه. عسى الله تعالى أن يجعل هدايته على يديك فيصل بصلاته ما انقطع بينه وبين الله، ويكون ذلك خيرًا لك من حمر النعم؟

قال: حبًا وكرامة، ونعمة عين، وكتب إليه:

صديق العزيز: سلام عليك، وبعد:

فقد سمعت كلمة طيبة وددت أن أصوغها لك كلمات على هذا القرطاس ورجائي أن يكون لها في نفسك ما كان في نفسي والسلام.

أخذ كثير من الناس في عصرنا الحاضر يهملون الصلاة ويرونها عبئًا ثقيلًا عليهم، فإذا ذكرتهم بها التمس بعضهم لنفسه عذرًا بأنه مشغول الآن بأمور هامة، وادّعى بعضهم أن ثيابه غير طاهرة فلا تصح بها الصلاة، فإذا عاد إلى بيته نزعها وصلى، وهو في حقيقة الأمر كاذب، واعترف بعضهم بالتقصير وأخذ يردد كلمة"الله يهدينا"وهناك فئة وقحة تجاهر بالعصيان، وتبدل نعمة الله كفرًا، وتحتقر الصلاة والمصلين ثم تزعم أنها مسلمة، فما لهؤلاء إذ ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم، وإذا دعوا إلى الله قالوا سمعنا وعصينا؟ فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ [المدثر:49-50] .

تعال أخي نعالج مواقف هؤلاء ونبحث عن الأسباب التي دعتهم إلى ترك الصلاة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت