الصفحة 2014 من 3812

هل الصلاة غرامة يؤديها الإنسان كما يؤدي بعض الضرائب ظلمًا؟ هل الصلاة مضيعة للوقت، وليس لدى الإنسان وقت فائض عن حاجته حتى يضيعه؟

هل الصلاة مبدأ إلزامي يكره الإنسان عليه كما يكره على تقبل المبادئ السياسية في البلاد الديكتاتورية؟

هل الصلاة تقييد لحرية الإنسان المطلقة ومانعة له من ممارستها؟

هل الصلاة أمر مباح من شاء فعلة ولا ثواب له. ومن شاء تركه ولا إثم عليه؟

هل الله بحاجة إلى صلاتنا؟

وأي فائدة يجنيها الإنسان من الصلاة؟ وما هي الخسارة التي تترتب عليه من تركها؟ وهل...؟ ولم...؟

أسئلة كثيرة تدور في فكر الإنسان يمليها عليه هواه وشيطانه وشهواته، فإن عجز عن الجواب أقامت الحجة عليه فاستكان وذل، وعملت عملها الخبيث في فكرة فزاغ، وزينت له سوء عمله فرآه حسنًا، وصوبت له رأيه الفاسد فاستمسك به، ومدته بالمجادلات العقيمة ومنته الأماني البعيدة حتى يهوى في النار سبعين خريفًا من حيث لا يشعر، وإن هو أحسن الإجابة ودحض الشبهات وحكم العقل والمنطق أقام الحجة عليها فخرست وخنست.

ولنبدأ الآن بتنفيذ هذه الأسئلة واحدًا فواحدًا. ثم نجيب عنها بما لا يترك ريبة لمستريب، فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الظالمون.

أولًا: لا يا صاحبي: ليست الصلاة غرامة عينية تؤدى، ولا ضريبة مالية تجبى، وإنما هي أمانة ينظر إليها صاحبها كل يوم خمس مرات فيشهد لك بالوفاء والصدق والإخلاص والمحافظة على الحقوق ويثيبك على حسن رعايتها بأعظم الجزاء.

أجل إنها ليست ضريبة ولا غرامة ولا جزية، وإنما هي اعتراف بحق وشكر على معروف، ودليل على صفاء النفس بإطاعة الرؤساء، وتنفيذ أوامرهم، وإفصاح عما ينطوي عليه القلب من محبة لله وتقدير. ألم تر أن الناس كلهم يعظمون في أنفسهم ذوات يعتبرونها فوقهم قدرة ونفعًا، يلجؤون إليها في الملمات ويتسغيثونها في المعضلات ويطلبون بركاتها في المناسبات، ويتخذون لأنفسهم شعارًا يذكرهم بها كلما غفلوا عنها.

ما للنصارى يؤلهون المسيح ابن مريم عليه السلام؟ ويتخذون الصليب شعارًا يرفعونه على كنائسهم، ويعلقونه على صدورهم، ويبادرون إلى الكنائس يصلون؟

وما لليهود يؤلهون عزيرًا - تعالى الله عما يشركون - ويلتفون حول بناء كالضريخ يضيئون عليه الشموع ويقرؤون التوراة ويصلون؟ ويتخذ المتدينون منهم ( طواقي ) صغيرة يجعلونها في أقصى نواصيهم؟ وقد عمدوا منذ قيام دولة فلسطين إلى اتخاذ النجمة السداسية شعارًا لهم؟

وما للمجوس يعبدون النار، والهنود يعبدون البقر والقرود وفرق من الباطنية يعبدون الشيطان؟كل هؤلاء يعبدون آلهة من دون الله ويقدسونها، ولها يصلون وإليها يتقربون، وهي باطلة كأفكارهم الجوفاء، لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًا، ومع ذلك فلا تنكر عليهم صلاتهم وتنكر علي صلاتي على حقها وقدرها ونفعها؟

وأي فائدة يجنيها كل هؤلاء في عباداتهم المتباينة؟ وماذا تغني عنهم معبوداتهم؟ هل تستجيب لهم دعاءهم؟ هل تفهم كلامهم؟ هل تعرف ما يصلحهم وما يفسدهم، هل ترزقهم؟ هل تحييهم؟ هل تشفيهم؟ هل تدفع عنهم الضر؟ هل تنزل الغيث فتنبت لهم به الزرع؟

لا، لاتعمل شيئًا من هذا أبدًا، مع ذلك فهم يعبدونها، ويعترفون لها في أعماقهم بقدسية وفضل، ويدللون على هذا الاعتراف بصلواتهم.

أرأيت يا صاح لو أن إنسانًا قدم إليك قطعة حلوى، أو ساعدك في حمل متاعك، أو أرشدك إلى الطريق، أو دفع معك سيارتك الواقفة أو ناولك شيئًا سقط منك، إلا تقول له شكرًا، وتحترمه في نفسك وتقدر عمله، وتتمنى أن تكافئه على معروفه بأحسن منه؟ نعم. وأنا كذلك إنسان مثلك، أحفظ المعروف، وأقر بالإحسان وأعترف بالفضل وأشكر على الهدية وكلما كان الفضل عليّ كبيرًا كان الشكر مني أكبر، وهل من متفضل منعم مثل الله عز وجل الذي منحني العقل والحواس، وأغذق عليّ الرزق الطيب، ومن عليّ بالصحة والعافية، وهداني إلى الدين الصحيح، ووهب لي الولد والأهل، وأقامني في موطن خير بين صحب كرام وجيران طيبين؟

لا... ليس في الوجود كله من أحسن إليّ كإحسان الله تبارك وتعالى، أفلا أشكره على كل هذه النعم ما دمت أشكر غيره على أقل معروف أسداه إليّ؟ لا شك أنك معي في شكري له وتشجعني عليه، بل تحملني عليه قهرًا إن قصرت في أدائه لأنك لا تريدني أن أكون إنسانًا ناكرًا للفضل، جاحدًا للمعروف.

إن الشكر يتناسب طردًا مع قيمة الهدية وقدر المُهدي. فشكري لمن قدم إليّ قطعة حلوى ليس كشكري لمن قدم إليّ علبة حلوى. وقولي لصغيرنا ناولني قلمًا وقع مني غير قولي لعظيم ناولنيه. والصفة التي يحبها الله تعالى مني لشكره على آلائه هي أن أضع جبهتي على الأرض إقرارًا له بربوبيته وتقديسًا لألوهيته، واعترافًا بإحسانه. إن الناس ينحنون أمام أصنامهم من الطواغيت وليس لها في واقع الأمر عليهم من فضل، بل إنها لتضلهم عن الحق والهدى وينحني كثير منهم أمام زعمائهم إجلالًا وإعظامًا، وقد يكونون من شر خلق الله، أفلا أنحني أنا لله، مالك الملك خالق الكون، رب السموات والأرض، الذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع، ويحيي ويميت، ويحاسب على النقير والقطمير؟

ثانيًا: وليست الصلاة مضيعة للوقت، فالإنسان حينما ينسل من ضوضاء العمل وصخب الغادين والرائحين ويتسلل من عناء الأخذ والعطاء، والبيع والشراء والمماحكة والمساومة، والدراسة والتدريس، ومطالب المراجعين، ويقف في مصلاه يتخلى عن كل هذه المزعجات فتهدأ نفسه ويطمئن قلبه ويستريح جسمه وينطفئ غضبه، وتتقيد شهواته، ويمكث دقائق يناجي من يحب.

والحب أعظم ما يكون *** إذا انفردت بمن تحب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت