فهرس الكتاب
ويسأله العون والتأييد، ويستمنحه القوة في الخير، والصبر على المجاهدة، والعفو إن أساء إلى أحد من الخلق بنظرة عابسة، أو كلمة نائية، أو تصرف قاس، فتكون هذه الدقائق بمثابة شحنة من المدخرات، وتبريد للمحركات.ومن هذا المنطلق السامي كان رسول الله إذا حزبه ( أهمه ) أمر فزع إلى الصلاة، وإذا عاد منهمك القوة من قتال الأعداء قال: { يا بلال، أرحنا بالصلاة } ، أي أذن للصلاة، لتكون الصلاة راحة لنا من معاناة الحياة ومشكلاتها.
والإنسان مخلوق ضعيف محدود القوة، لا يستطيع العمل المتواصل، فلا بد له من استراحة جسمية وعقلية، ولا يتسنى له ذلك إلا في الصلاة، والراحة نصف حياته، ولهذا جعل الله تعالى الليل سكنًا والنوم سباتًا وراحة، وكم يصرف المصلي من وقته في صلاته؟ إنها أن امتدت وطالت لا تستغرق ربع ساعة، أفتضن على نفسك أيها العاقل بدقائق معدودات بين فترة وأخرى من يومك لتحصل على كل هذه المنافع بينما تجود بساعات طوال تضيعها سدى في الزيارات والسهرات؟
ثالثًا: وليست الصلاة مبدأً سياسيًا لحاكم ديكتاتوري غاشم يحمل شعبه على أفكاره طوعًا وكرهًا. إنما الصلاة تطبيق لدين يعتنقه الإنسان عن قناعة ورضى من غير إكراه ولا إجبار - لا إكراه في الدين - وليست مبدأً سياسيًا يتغير بتغير الظروف أو يستتبع أراء الحكام، وليست قانونًا وضعيًا تكتب اليوم صيغته الأولى ويناقش غدًا مناقشة نهائية، ثم يطرأ عليه تعديل بعد غد ثم ينسف من أساسه لظروف طارئة، أو يؤخر تنفيذه ريثما يتم نصاب المسؤولين عن إبرامه، أو يرجأ إبرامه حتى يصادق عليه ذو السلطة العليا في البلاد. أنها ركن من أركان الإسلام، بل أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. وما دمت - أيها المسلم - قد رضيت بهذا الدين عن طيب خاطر منك ولم تحمل على اعتناقه جبرًا فعليك إذن تنفيذ أحكامه كاملة. ألست معي أن المواطن في أي بلد ما ملزم بتطبيق قوانين ذلك البلد، فإن أبت عليه نفسه ذلك فهو بين أمرين: إما أن يهان ويطبقه، وإما أن يتخلى عن تابعيته الوطنية ويرحل عن ذلك البلد.
ولا أدري كيف يخشى الإنسان شرطيًا ولا يخشى خالق الأرض والسماء؟ ثم انظر مع نظرة أخرى، ألا ترى أن إشارة المرور إذا أضاءت حمراء أوقفت عشرات السيارات، بل مئاتها في مكانها فلا تستطيع أن يتجاوزها ولو كان بين السائقين أعظم الناس قدرًا، فما بال بني آدم لا يجرؤون على مخالفة إشارة حمراء ويخالفون أوامر الله تعالى، ويتحدونه بالمعاصي والمنكرات، ويتعدون الحدود التي رسمها لهم؟ هل هذا دليل على تمام عقولهم أم على نقصانها؟ احكم أنت بنفسك إن كنت من المنصفين.
رابعًا: وليست الصلاة تقييدًا للحرية الشخصية ولا مانعة للإنسان من ممارسة حريته. إن الناس في المجتمعات البشرية كلها متفقون على أنهم ليسوا حيوانات يعيشون على وجه الأرض كما تعيش الحيوانات في الغابات، بل لهم حريتهم، وحريتهم مطلقة في الاعتقاد والقول والعمل، ومقيدة بالنظام العام والقانون السائد، ولولا هذا التقييد لما انتظمت أمة ولا تولد شعب، ولما استقامت الأمور على تبادل المنافع بين الأفراد، بل لما استمر النوع البشري.
إن الهيبيسين - الخنافس - الذي يفعلون كل ما يخطر ببالهم ويعيشون في الطرقات عيش الكلاب الشاردة لا يستطيعون أن يخافوا أوامر السلطة أو أحكام القوانين، وحتى زملاؤهم الحيوانات في الغابات لها نظام تسير عليه، ولو أنك سألت أحد علماء الأحياء المختصين لبين لك صحة ما أقول، ولعل أقرب مثال أضربه لك: هو ما تشاهده بأم عينك من تعاون أعضاء الخلية الواحدة من النحل، وكيف تساعد النمل في جر ما يلتقطنه من فئات الطعام.
وأنت - أيها المسلم - حر في شؤونك الخاصة تأكل وتصوم، تنام أو تستيقظ، تقيم أو تسافر، تبيع أو تشتري، وهذه الحرية محاطة بالنظام الإلهيومحدود بحدود الشرع، ومن حريتك أن تنسحب من عملك لتجلس دقائق في المسجد تستعيد فيها نشاطك وقوتك، ثم تخرج منه مزودًا بشحنة جديدة من العون الإلهي فتزاول عملك وكفاحك.
ومن حريتك أن تكون مقيدًا بالنظام الإلهي الذي هيأ لك كل أسباب السعادة والهناءة في دنياك وآخرتك.
ومن حريتك أن تقول ما شئت وتعمل ما تحب وتكتب ما يحلو لك وتتاجر فيما ترغب، شريطة أن لا تتجاوز حدودك إذ بتجاوزك هذا تتعدى حقوق الآخرين وحدودهم. وهذا ما حرمه الإسلام وحذرت منه أيضًا القوانين البشرية.
خامسًا: وليست الصلاة أمر مباحًا كأمور المعيشة من شاء فعلة ولا ثواب له ومن تركه فلا إثم عليه، وإنما هي أمر حازم جازم. لها وقت محدود وهيئة خاصة وأسلوب متميز، وخطة مرسومة، ليس لك حق في تحريفها زيادة أو نقصانًا، ولا أرى في تغييرها تقديمًا أو تأخيرًا، فهي كاللقمة تجعل في الفم لا في الأذن، وكالهواء يدخل الرئتين من الفم أو الأنف، لا من أخمص القدمين، وإذا كان لك رأي في انقباض قلبك وانبساطه أو تدخل في توسع رئتك وضيقها فليكن لك رأي في أمر الصلاة.
والصلاة كقيامك بأداء وظيفتك - إن كنت موظفًا - أو كبيعك وشرائك إن كنت تاجرًا، فإذا داومت على عملك وأديت واجبك كوفئت آخر الشهر بقبض راتبك أو ملأت جيبك بربحك، وإن تغيبت عن عملك وأهملت واجبك حسم من راتبك بقدر غيابك وإهمالك وخسرت ما كنت تأمله من الأرباح.