فهرس الكتاب
وأنا أقول لك أيها المسلم التارك للصلاة، الغافل عمن يراقبك وعما يرتقبك: صل تسلم من عذاب الله الشديد، وعيب عليك أن تدعوا الله في البلاء وتهمله في الرخاء.
ثامنًا: أما ما تجنيه من صلاتك فالخير كله، تستفيد منه أنت وإخوانك المسلمون، ألا تحب أن يغفر الله ما اكتسبته من الذنوب؟ { ألا أدلكم على ما يمحوا الله به الخطايا ويرفع به الدرجات } ، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: { إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط } إذا غفر الله لك ذنبك فرح إخوانك المسلمون لأنهم يحبون لك ما يحبون لأنفسهم.
إن فوائد الصلاة أعظم من أن يحصرها عاد أو يسجلها قلم، لأنها أمر إلهي، تعبد الله بها عبادة قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ [إبراهيم:31] وجمع فيها الخير كله بأبلغ قول وأوجز عبارة، فقال: إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ [العنكبوت:45] فللإنسان أن يعدد من مزاياها ما شاء في حدود هذا النطاق ولئن عجز عن إحصائها كاملة فلا أقل من أن يذكر بعضها.
إذا قضيت على آفة الفحشاء من نفسك واجتثثت جذورها من تصرفاتك خلص لك دينك وصفت نفسك وصلح قلبك وسلمت أعضاؤك واستقام أمرك، وإذا أزلت المنكر وقطعت حبائله قضيت على الجرثوم الفتاك في بناء مجتمعك، فأمنت بذلك على دينك ونفسك وعيالك.
والصلاة عون لك في الشدائد، وحل لعقد المعضلات وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ [البقرة:45] . وهي راحة لفكرك وجسمك من مشاغل الحياة وعناء الأعمال، وهي عامل أساسي في توثيق الرباط بين المسلمين والمساواة بين الناس، والمحافظة على النظام، والسمو على كل ما في الدنيا، وإفراغ القلب من الشهوات، وطهارة النفس من العداوة والكيد، وحفظ اللسان، وصيانة البصر والسمع، والتواضع والتهذيب، والاعتياد على أداء الحقوق، والقيام بأداء الواجبات في المنشط والمكره.
ولاشك أن لها فوائد صحية تنتج عن هيئاتها الخاصة في القيام والركوع والسجود والقعود على الطريقة التي تعبدنا الله بها، وإن خفيت علينا هذه الفوائد.
ولقد كان المسلمون السابقون يتلقون أوامر الله تعالى من غير بحث عن عللها وموجباتها ويؤدونها من غير سؤال ولا استفسار، ولكن ضعف الوازع الديني في النفوس حمل الواعظين - في سبيل إرشاد النشء وهدايتهم - إلى أعمال الفكر والتكلف الشديد لاستخراج ما يكمن من فضائل ومزايا في الدين الإسلامي، ووضعها أمام أعين النشء وضع الدرهم في أكفهم، ومع ذلك فقليل من يتعظ وقليلًا ما يشكرون.
أيها المسلم:
نصيحتي لك أن تصلي وأن تحافظ على صلواتك، في أوقاتها، فوالله لا يغني أحد عنك من الله شيئًا، ولا يتحمل وزرك، ولا يجادل الله فيك ولا يدفع نقمته إذا حلت بك ولا ينفعك مالك ولا بنوك، ولا يدوم لك جاهك ولا شبابك، وستندم على تقصيرك يوم لا ينفعك الندم، وسيحل بك الموت فجأة، وأنت في غفلة عنه، فخذ عدتك وتدبر أمرك واتعظ بمن سبقك.
واعلم أن أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت سئل عما بعدها من زكاة وصوم وحج، وإن ردت لم يسأل عن شيء من الخير بعدها لو زكى وصام وحج.واعلم أن من ترك فرض صلاة عمدًا برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله عليه الصلاة والسلام.
وإياك أن تكون من المسلمين المزيفين الذين يصلون وقتًا ويدعون أوقاتًا، ولا من المنافقين الذين إذا قاموا إليها قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا.
وإياك أن يجري الشيطان على لسانك ما يجري على ألسنة كثير من المسلمين المزيفين الذين يقولون: ليس العبرة بالصلاة وإنما بصفاء القلب وعدم غش الناس، ويزعمون أنهم لا يؤذون أحدًا وإن لم يكونوا يصلون. كذبوا.. والله لقد آذوا الله ورسوله والمؤمنين إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا (57) وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا [الأحزاب: 58،57] وأي إيذاء لله أعظم من معصيته؟ وأي إيذاء للرسول أكبر من مخالفته؟ وأي إيذاء للمؤمنين أشد من الاستهتار بدينهم واتباع غير طريقهم؟
وإذا رأيت أناسًا يصلون ويرتكبون المعاصي فاعلم أنهم ليسوا معصومين من الزلل، وليست لمعاصيهم علاقة بصلاتهم ولست محاسبًا لهم، ولا محاسبًا عنهم، وثق أنهم سيرتدعون يومًا ما عن سلوكهم السيء، وكن أنت خيرًا منهم، وقدوة وناصحًا لهم كن ممن تنهاه صلاته عن المنكرات، ولاتكن ممن لا يزيد في صلاته من الله إلا بعدًا.
صل إن كنت عاقلًا، فو الله ما ترك الصلاة عاقل، وأحذر من أن تكون من الذين لا يستعلمون عقولهم وحواسهم فيما ينفعهم بل يتبعون أهواءهم وشياطينهم، فإن الله تعالى نعى عليهم غفلتهم وذمهم بقوله: لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ [الأعراف:179] .
صل إن كنت حرًا كريمًا ولا تقتد بالناس المارقين ولا تغتر بكثرة الهالكين.
صل إن كنت ممن يحفظ الجميل ويشكر على المعروف.
صل إن كنت صادقًا في إسلامك ولا تخالف أفعالك أقوالك فتكون المنافقين.
صل إن كنت تحب نفسك لتنجيها غداَ من عذاب أليم، وإياك أن تعاند وتصر على خطئك فيستحوذ عليك الشيطان فينسيك ذكر الله فتكون من الخاسرين.