الصفحة 2018 من 3812

صل إن كنت برًا بوالديك ليتقبل الله دعاءك واستغفارك لهما.

صل إن كنت محبًا لأولادك، وكن أسوة صالحة لهم، وكيف تأمل أن ينشؤوا على الإسلام إن لم تطبقه أنت؟ وهل ترضى - وأنن المحب لهم - أن تراهم غداّ يتقلبون في النار؟

صل إن كنت وفيًا لزوجك تريد لها الخير وتتمنى لها السلامة، أفتراها تصلي هي إن كنت أنت لا تصلي؟ وهل يشرفك أن تكون هي صالحة تقية وأنت تعيس فاجر؟ وكيف تثق هي بوفائك إن لم تكن وفيًا لوالديك وأولادك؟

صل إن كنت مخلصًا لوطنك، فمن لا خير فيه لدينه لا خير فيه لوطنه، وكيف يحفظ الله للناس أوطانهم إذا عصوه وجحدوا نعمه؟ وهل حكم فيهم اليهود إلا بتركهم الصلاة وارتكابهم الفواحش والمنكرات؟

صل إن كنت تحب الله تعالى، فالمحب لا يتلذذ إلا بمناجاة محبوبه، فلتكن صلاتك جزءًا من مناجاتك.

صل إن كنت تخاف الله الكبير لأنه توعد من لم يصل بالنار، وأنت يا مسكين لا تستطيع أن تتحمل حر الشمس فيكف تقدر على النار؟ ونار الدنيا جزء من سبعين جزء من نار الآخرة، ونار الآخرة سوداء مظلمة يهوى بها الإنسان سبعين عامًا حتى يدرك قعرها.

أيسرك يا صاحبي أن يقال عنك يوم القيامة: إنك من المجرمين لأنك لم تك من المصلين؟ أيسرك أن يقول الله المنتقم لملائكة الغلاظ: خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [الحاقة:30-32] .

ألست معي أن ترك الصلاة معصية؟ فلم تتركها؟ وهل لديك وثيقة من الله تبارك تعالى أنه سيغفر لك؟ ألم تسمع توجيه الله لرسوله عليه السلام: قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [الأنعام: 15] فهل أنت أكرم على الله أم رسوله؟ وإذا كان رسوله في نظرك أكرم - وهو الحق - فكيف يخاف هو ربه وأنت لا تخاف؟

يا صاح: لو هددك شرطي لحسبت حسابه، ولو هددك الأمير لما هدأ لك جفن من خوفك، ولو هددك صاحب السلطة العليا في البلاد لانقطع ظهرك هلعًا ورعبًا، فكيف إذا توعدك المنتقم الجبار فأين تذهب ومن يحميك منه؟

هل ينجيك أسفك وبكاؤك إذا عاينت النار؟ وأي فائدة تدخرها لآخرتك في دنياك إذا لم تصل؟ وأي خسارة تلحقك إذا صليت؟ أيهما أحب إليك: أن تكون مع السعداء في الجنة أم مع الأشقياء في النار؟

صل فلست في غنى عن الله عز وجل واعرفه في الرخاء يعرفك في الشدة.

صل ولا تكن مسلمًا دعيًا تنتسب إلى الإسلام وهو منك براء، وإياك أن تكون معولًا في هدمه وتخريبه وافتخر بإسلامك افتخار القائل:

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيس أو تميم

صل تكن درعًا لإخوانك المسلمين الطيبين تكثر عددهم وتشد عضدهم وتقهر عدوهم وتقلل عدد المنافقين.

صل ترضِ الرحمن وتسخط الشيطان وترد كيد الكائدين.

صل فالصلاة نور تزيل ظلام الزيغ والباطل، وتلقي في القلب الهدى والحق، وتنير ظلمة قبرك، وتتلألأ على جبينك ضياء يوم القيامة.

صل فالصلاة أكبر عامل في صدك عن المعاصي، وأقسى قيد الشيطان والشهوات.

صل فالحساب عسير والمحاسب قدير، وأعلم أن البهائم إذا رأت ما أعد للناس يوم القيامة من الشدائد والأهوال تقول: يا بني آدم: الحمد لله الذي لم يجعلنا مثلكم، لا جنة نرجو ولا عقابًا نخاف، ويتمنى المجرم يومئذ لو يكون ترابًا.

وأخيرًا صل يا أخي المسلم فأنا أصلي وأرجو لك من الخير ما أرجوه لنفسي ما دمت أخي في الإسلام.

صل طاعة لله تعالى في قوله: حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ [البقرة:238] وخوفًا من أن تحشر في زمن الكافرين فقد صح عن رسول الله أنه قال: { العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر } .

صل فإني والله الذي لا إله إلا هو لك من الناصحين.

جعلني الله وإياك ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد الله رب العالمين.

قيام الليل

دار الوطن

الحمد لله الذي جعل الصلاة راحة للمؤمنين، ومفزعًا للخائفين، ونورًا للمستوحشين، والصلاة والسلام على إمام المصلين المتهجدين، وسيد الراكعين والساجدين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد:

فإن قيام الليل هو دأب الصالحين، وتجارة المؤمنين، وعمل الفائزين، ففي الليل يخلو المؤمنون بربهم، ويتوجهون إلى خالقهم وبارئهم، فيشكون إليه أحوالهم، ويسألونه من فضله، فنفوسهم قائمة بين يدي خالقها، عاكفة على مناجاة بارئها، تتنسم من تلك النفحات، وتقتبس من أنوار تلك القربات، وترغب وتتضرع إلى عظيم العطايا والهبات.

قيام الليل في القرآن

قال تعالى: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ [السجدة:16] . قال مجاهد والحسن: يعني قيام الليل.

وقال ابن كثير في تفسيره: ( يعني بذلك قيام الليل وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة ) .

وقال عبد الحق الأشبيلي: ( أي تنبو جنوبهم عن الفرش، فلا تستقر عليها، ولا تثبت فيها لخوف الوعيد، ورجاء الموعود ) .

وقد ذكر الله عز وجل المتهجدين فقال عنهم: كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الذاريات:18،17] قال الحسن: كابدوا الليل، ومدّوا الصلاة إلى السحر، ثم جلسوا في الدعاء والاستكانة والاستغفار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت