فهرس الكتاب
نعم يا عبادَ الله، كلُنا محتاجٌ إلى التوبةِ النصوح - فكلنا مخطئون، وكلنا مقصّرون، وما أعظمَ ربُنا وأرحمه، وهو يدعونا إلى التوبةِ ليغفِر لنا ذنوبنا، ويكفر سيئاتنا، ويفتح لنا باب الرجاء، وبها يدخلنا الجنة ويعيذنا من النار .
إنها - أعني التوبة - تبدأُ بالهمةِ الصادقةِ، وتستمرُ العزيمةُ القويةُ لتتحوّل الشهواتُ المحرمةُ إلى طاعا ت وقربا ت تأنس بها في الدنيا، وتجد أجرَها يوم ترد على الله ،
يا من غلبتهم شهواتُهم وأهواؤُهم في رجب وشعبان، أفلا تغلبونها في رمضان ومن بعد رمضان ؟
ويا من سوّفت في التوبة، وأرجأت الإقلاعَ عن المعصية، ها هو شهر رمضان حلّ، وما تدري أتدركه عامًا آخر أم لا، بل ولستَ تدري أتُتِمُ شهرَ الصيام حيّاَ أم تكونُ في عداد الموتى، وشهرُ الصيام لا يزال حيّاَ ؟
إنني أدعو نفسي وإياك للتوبة دائمًا، وفي شهر الصيام فابدأ وتوكل على الله ، واعلم بأنك تَرِدُ على كريمٍ غفار، يبسط يدَه ليتوب مسيئُ النهار، ويبسطُ يدَه بالنهار ليتوبَ مسيئُ الليل، فلا تستكثر معاصيك عن التوبة، وفتش وأنت أدرى بنفسك وبمعاصيك، واعقد العزمَ على التوبة، واحمد ربَّك على أنه بلغك شهر رمضان، وستجد له طعماَ آخر حين تبدأه بالتوبة، وتختمه بالشكرِ والحمد لله (( وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ) ) (النحل:53) (( وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ) ) (النمل:40)
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يهدي من يشاء ويضل من يشاء، ومن يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا ، والصلاة والسلام عل المبعوثِ رحمةً للعالمين، والسراج المنير وعلى إخوانه من النبيين .
أيها الصائم: وثمة مشاريعُ - تؤكدُ حقيقةَ التقوى، ويُدلك بها على التوبة النصوحة - هذه المشاريع ساريةُ المفعولِ في كل حين- ولكنها تزكوا ويعظمُ أجرُها في شهر الصيام.
ومنها:
أولًا: مشروعُ الذكر والدعاء - وكم نُفرِّط في الذكر، وهو من أسهل العبادات وأزكاها، وخيرٌ من إنفاق الذهب والورق، وخيرٌ لكم من أن تلقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم،
وما أروع المسلمَ والمسلمةَ ( إذا ظلَّ لسانُهما رطبًا بذكر الله ، وما أجمل الصائمَ يُمضي شطرًا من ليلِه ونهاره ذاكرًا لله ، يُسبح ويحمد ويكبر ويهلل ، يستغفر لنفسه ولوالديه والمؤمنين ، ويدعوا بما شاء من خيرِيِ الدنيا والآخرة، ولا يخص بالدعوة نفسه بل يشمل غيره، ففضلُ الله واسع، والملكُ الموكلُ بالدعاءِ للآخرين بظهر الغيب يقول للداعي: ولك بمثل ما دعوتَ به
أيها الداعون: ولا تنسوا أمواتَكم بالدعاء، وتعلموا آداب وسننَ الدعاء
يا عبد الله: كم في الذكر من فائدة - وقد أوصلها بعضُهم إلى المائة أو تزيد.
وكم نُخطئُ بالليل والنهار؟ وفي الاستغفار تُحرق الخطايا وتذوب .
وكم لنا من حاجة ؟ وكم بإخواننا المسلمين من بأساء؟ فهل نتضرعُ إلى اللهِ بالدعاء لرفعها، والكريمُ يقولُ لنا"أدعوني استجب لكم"وللصائم دعوةٌ لا ترد ، لا سيما عند فطره، وفي الأسحار حين ينزل الرب وبين الآذان والإقامة، وفي السجود، وحين تلين القلوب ونحوها من مواطن إجابة الدعاء. فهل نستثمرُ فرصة الذكر والدعاء في رمضان ؟
إنها مكاسبُ سهلةُ الجهد، عظيمةُ الأثر .
ثانيًا: مشاريع الإنفاقِ والصدقة: أيها الصائمُ شعارنا وأدلتُنا في القرآنِ والسنةِ تقول لنا في حينٍ (( وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ) ) (سبأ:39) (( اللهم أعطِ منفقًا خلقًا وأعطِ ممسكًا تلفًا ) )
وفي شهرِ رمضان للنفقة والصدقة مزية، فرسولُنا وقدوتُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم كان أجودَ الناسِ بالخيرِ، وأجودُ ما يكونُ في رمضان، هل نقتدي وهل تتضاعفُ صدقاتُنا في شهرِ مضاعفةِ الحسنات؟
هذا معسرٌ نفك من إعساره ، وهذا محتاج نسد حاجَته ، وثالث مدين نقضي دينَه، ورابعٌ جائعٌ فنطعمه، وهكذا
وشابٌ يريد الزواجَ فنعينه وفي الحديث (( أفضلُ الأعمال أن تُدخل على أخيك المؤمنِ سرورًا، أو تقضي عنه دينًا، أو تطعمه خبزًا ) )
إن فُرصَ النفقة والإحسان كثيرةٌ للأ يامى واليتامى والمساكين، وللشباب الراغبين في الزواج، وللمسلمين المتضررين، والمجاهدين الصادقين، وتفطير الصائمين، إن في داخل بلادِنا، أو في عالمِنا الإسلامي ، زكاةً وصدقةً، وهديةً وصلةً، عوّد نفسك أيها المسلم على الصدقة في كل يومٍ من أيامِ رمضان، قلّ ذلك أم كثر، ودرب أهلك وأولادك على الصدقة والإحسان، فهذا شهر الإحسان، ولا ينسيك الغنى عن الفقراء، ولا الشبع عن الجوعى والله إن جعلك يدًا عُليا تُعطي ولا تأخذ ، وتذكر أن المال مالُ الله ، وأنت ممتحن فيه.
ثالثًا: مشاريع الدعوة إلى الله تعالى، وكم للدعوة من أثارٍ إيجابية على الداعي والمدعو، على الفرد والمجتمع، وبالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كنا خيرَ الأمم، والدعاةُ الآمرون بالمعروف والنّا هون عن المنكر، هم المفلحون بشهادةِ القرآن (( وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) ) (آل عمران:104)
وهل أحسن قولًا من الدعوة والدعاة ؟ والله يقول (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ) (فصلت:33)