فهرس الكتاب
وتأمّل - أخي القارئ - ما لقيه -صلى الله عليه وسلم- من أنواع الأذى في سبيل دعوته ونصحه للخلق ، ولما سألته عائشة -رضي الله عنها قائلة: يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد « فقال: لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم استفق إلا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، قال فناداني ملك الجبال وسلّم علىّ ثم قال: يا محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال ، وقد بعثني إليك لتأمرني بأمرك فما شئت ؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا ، أخرجه الشيخان .
ولقد سار سلف الأمة على ذلك ، فهذا أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - يقول الحق، ويرحم الخلق ، فإنه لما رأى سبعين رأسا من الخوارج ، وقد جزت تلك الرؤوس ونصبت على درج دمشق ، فقال رضي الله عنه إعلامًا بالحق:
سبحان الله، ما يصنع الشيطان ببني آدم، كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء«.
ثم بكى قائلًا: بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام [5] .
وهذا الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل - رحمه الله - يثبت على كلمة الحق لا يخشى في الله لومة لائم، فيقول بكل يقين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصبر الإمام على ما أصابه من أنواع الإيذاء والفتنة من قبل رؤوس المعتزلة - آنذاك -، ومن تبعهم من خلفاء كالمأمون ، والمعتصم، والواثق .
» ولما جاءه أحدهم وهو في السجن فقال: يا أبا عبد الله عليك رجال ، ولك صبيان ، وأنت معذور - كأنه يسهل عليه الإجابة -، فقال الإمام أحمد: إن كان هذا عقلك فقد استرحت [6]
ومما قاله الإمام الذهبى - رحمه الله - في شأن محنة الإمام أحمد:
» الصدع بالحق عظيم ، يحتاج إلى قوة وإخلاص ، فالمخلص بلا قوة يعجز عن القيام به، والقوي بلا إخلاص يخذل ، فمن قام بهما كاملًا ، فهو صدّيق، ومن ضَعُفَ ، فلا أقل من التألم والإنكار بالقلب ، وليس وراء ذلك إيمان ، فلا قوة إلا بالله « [7]
لقد كان الإمام أحمد بن حنبل رجلًا لينًا ، لكن لما رأى الناس يجيبون ويعرضون عن الحق، عندئذ ذهب ذلك اللين ، وانتفخت أوداجه ، واحمرت عينا [8] .
ومع ذلك البطش والجدل والسجن من قبل أولئك الخلفاء إلا أننا نجد هذا الإمام يقول:
كل من ذكرني ففي حلّ إلا مبتدعًا، وقد جعلت أبا إسحاق - يعني المعتصم- في حل ورأيت الله يقول: » وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم « وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر بالعفو في قصة مسطح - ثم قال - وما ينفعك أن يعذِّبَ الله أخاك المسلم في سبيله ؟ « [9] .
وهاك مثالًا ثالثًا لأئمة أهل السنة ، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقرر عقيدة السلف الصالح ، ويجاهد بلسانه وسنانه طوائف الزيغ والانحراف ، فيرد على أهل الكتاب ويقمع أكاذيب الباطنية ، ويناظر الصوفية وأهل الكلام ...
وكل ذلك من أجل بيان الحق وتبليغه.
وفي الوقت نفسه فقد كان -رحمه الله- من أعظم الناس شفقة وإحسانًا ، وإليك المشاهد الدالة على ذلك:
يقول ابن القيم: » جئت يومًا مبشرًا له (أي لابن تيمية) بموت أكبر أعدائه، وأشدهم عداوة وأذى له ، فنهرني وتنكر لي واسترجع ، ثم قام من فوره إلى بيت أهله فعزاهم، وقال إني لكم مكانه، ولا يكون لكم أمر تحتاجون فيه إلى مساعدة إلا وساعدتكم فيه، فسروا به ودعوا له « [9] .
ولما مرض ابن تيمية - مرض الوفاة - دخل عليه أحدهم ، فاعتذر له ، والتمس منه أن يحلله ، فأجاب الشيخ: » إني قد أحللتك وجميع من عاداني وهو لا يعلم أني على الحق ، وإني قد أحللت السلطان المعظم الملك الناصر من حبسه إياي ، كونه فعل ذلك غيره ... « [10] .
وقال أحد خصومه (ابن مخلوف) : »ما رأينا مثل ابن تيمية ، حرّضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا« [11] .
وأخيرًا أدعو إخواني إلى ضرورة معرفة الحق ورحمة الخلق، وأن نهتم بتحقيق العلم والعدل في هذا الشأن، وأن نسعى جادين صادقين إلى تحقيق منهج أهل السنة عقيدة وسلوكًا، والله المستعان.
[1] الحجة في بيان المحجة 2 / 528 وانظر عقيدة السلف للصابوني (ت 449 ه) ص 97 - 99 واعتقاد أئمة الحديث للإسماعيلي (ت 371 ه) ص 78 ، وانظر آخر مبحث في العقيدة الواسطة لابن تيمية .
[2] الرد على البكري ص 257 .
[3] شرح حديث ما ذئبان جائعان ص 19 .
[4] أخرجه أحمد 2 / 181 ، 195 وابن ماجه (85) .
[5] انظر تفصيل ذلك في الاعتصام للشاطبي 1/71 - 73.
[6] الآداب الشرعية لابن مفلح 2 / 24 .
[7] أسير أعلام النبلاء 9 / 234 .
[8] المرجع السابق 9 /238 .
[9] مدارج السالكين 2/345 .
[10] الأعلام العلية ص 82 .
[11] الباب الثالث 14 /54 .
العِلْم وفضله وآدابه
الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ، له الحمد على نعمه الظاهرة والباطنة علمنا بعد الجهل وجعل لنا سمعنا وأبصارًا: (( وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) ) (النحل: 78) .