الصفحة 2134 من 3812

وأشهد أن لا إله إلا الله ـ وحده لا شريك له هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيءٍ عليم لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بيده الضَرُ والنفع ، والخفضُ والرفع ، وبيده الملك ومقاليدُ السماوات والأرض وهو عليمٌ بذات الصدور.

وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أزكى البرية، ومُعَلِّمُ الإنسانية ختم الله به النبوةَ والرسالة ، وأعطاه الحوض والكوثَر والشفاعة صلوات الله وسلامة عليه وعلى آله وأصحابه وجميع السلف الصالح ومن تبعهم بإحسان .

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

فيا أيها الأخوة المسلمون: اتقوا الله - عز وجل - وأخشوه سبحانه فإن هذا هو الفوز والفلاح وهو العلم والنجاة ، بالخشية والتقوى يحصل الرزق والفرج ، وتكفيرُ السيئات ورفع الدرجات .

أيها المسلمون:

إن أفضل ما اكتسبته النفوس وحصلته القلوب ونال بها العبد الرفعة في الدنيا والآخرة هو العلم والإيمان ولهذا قرن الله سبحانه بينهما في قوله: (( وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ) (الروم:56) .

وقوله: (( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) ) (المجادلة:11) (الفوائد لأبن القيم ص 138) .

إن العلم إمام العمل وقائد له والعمل تابع للعلم ومؤتم به فكل عملٍ لا يكون خلف العلم مقتديًا به

فهو غير نافع لصاحبه بل مضرة عليه كما قال بعض السلف:

من عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلح (أ.هـ مفتاح دار السعادة) .

ولقد أخبر الله سبحانه بأن العلم النافع سبب لخشيته سبحانه فقال جَلَّ ذكره: (( ِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) ) (فاطر: 28) .

فأهل العلم العاملين هم أكثر الناس خشية لله وتعظيمًا له وهذه هي ثمرة العلم والفقه.

قال مجاهد رحمه الله: (الفقيه مَنْ يخاف الله عز وجل) .

نعم(فليس العلم بكثرة الرواية ولا بكثرة المقال ولكنه نور يَقذف في القلب يفهم به العبدَ الحق

ويميز به بينه وبين الباطل) ( فضل علم السلف) .

وقال سفيان الثوري - رحمه الله -: ليس طلب العلم فلان عن فلان إنما طلب العلم الخشية لله عز وجل، وقال أيضًا: إنما يطلب العلم ليتقى الله به فمن ثم فُضِّلَ. فلولا ذلك لكان كسائر الأشياء، إن العلم إن لم ينفعك ضرك) (الحلية)

إنه لا شيئًا أفضل من طلب العلم وتعليمه لمن خلصت نيته لله وصلح قصده.

أما من تعلم العلم للريا والمفاخرة والوصول إلى المناصب وأكل الأموال والتطاول على الناس فهو متوعّد بوعيد مناسب لقصره السئ .

روى أبو داود وأبن ماجه عنه صلى الله عليه وسلم قال: (( من تعلّم علمًا مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة ) ) [1] يعني ريحها.

ومن هذا الفعل ونحوه حَذّر أسلافنا فقال سفيان يوصي رجلًا: (إياك أن تكون ممن يحب أن يعمل بقوله أو ينشر قوله فإذا ترك ذاك منه عرف فيه ، وإياك وحب الرئاسة فإن الرجل يزهد في الدينار والدرهم وتكون الرئاسة أحب إليه من الذهب والفضة وهو باب غامض لا يبصره إلا البصير من العلماء والسماسرة والحمار) .

ولهذا ضرب الله في القرآن مثلًا لعالم السوء في موضعين شَبهّهه في أحدهما بأخس الحيوانات فقال عز وجل: (( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) ) (الأعراف: 175-176) .

وقال في الآخر: (( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) ) (الجمعة: 5) .

أيها المسلمون: تعلّموا علم القرآن والسنة واعملوا بما تعلّمتم فإن المرء لا يزال عالمًا ما طلب العلم واجتهد في تحصيله فإذا ظن أنه قد استغنى من طلب العلم وجمعه فقد جهل وَدَبَّ إليه داء الغرور الكاذب ، والعجب المهلك والعاقل لا يمنعه من طلب العلم كبر السن أو الخجل فإن هذا من أساليب الشيطان والعلم لا يقاس بالعمر ولا بالمنصب ولكنه نورٌ يقذفه اله في قلب من شاء وعلى هذا فلا يجوز للمرء أن يحتقر من هو أصغر منه سنًا إذا وهبه الله علمًا بل عليه أن يتعلم منه وأن يجلس إليه وإن يسأله وأن يجانب الحسد والاحتقار فإنهما خلقان مذمومان فهكذا يصنع الجهل بأصحابه .

عباد الله: مَنْ عرف العلم وفضله لم يقض نهمته منه ، ولم يشبع من جمعه طول عمره كيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) ) ( طه: 114) .

كيف لا ؟ وقد استشهد الله سبحانه ـ بأولي العلم ـ على أجل مشهودٍ عليه وهو توحيده فقال عَزَّ من قائل: (( شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) (آل عمران: 18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت