الصفحة 2135 من 3812

وطلب العلم الشرعي بصدقٍ وإخلاص من أسباب دخول الجنة فلقد صَحَّ عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: (( من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهَّل الله له طريقًا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع، وإن العالم ليستغفر له مَنْ في السموات ومن في الأرض حتى الحيتانُ في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورشةُ الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورِّثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورّثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر ) ) [2]

وقوله: (( وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ) )معناه أنها تدعو له وتعطف عليه [3]

وتتواضع لطالب العلم تعظيمًا له أو أنها تنزل عند مجالس العلم وتترك الطيران ( ذكره الخطابي كما في منهاج القاصدين) .

ومَنْ أراد الله به خيرًا وَفّقه لتعلم ما ينفعه ويِّبصره بأحكام دينه .

وروى البخاري ومسلم عنه صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنْ يرد الله به خيرًا يفقه في الدين ) ).

بالعلم يصلح الإنسان زيفه وفاسده ، ويرغم عدوَّه وحاسده ويقوّم عوجه ومَيْلَه ويصحح نيته وأملَه

ومن وصايا لقمان لأبنه قال:

يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله يحي القلوب الميتة بالحكمة كما يحي الأرض الميتة بمطر السماء.

إن من العلم أيها المسلمون: ما هو واجب لا عُذر لأحدٍ بتركه كمعرفة الأحكام الضرورية من العقائد والعبادات والمعاملات ومنه ما سوى ذلك واجب كفاني ينوب فيه بعض المسلمين عن بعض .

أيها الأخوة:

إننا ونحن نستقبل عامًا دراسيًا جديدًا ليحسن بنا أن نتذكر سرعة مرور الليالي والأيام وأها هدمٌ لأعمارنا ، وتقريبٌ من آجالنا فما أسرع مرورَ الأيام وانقضاءَ الشهور والأعوام وإن في هذا لذكرى لكل لبيبٍ حازم بأن لا يَغْترَّ بشبابٍ ولا بصحة إن الأيام قُلَّبٌ ن والموتُ يأتي بغتةً ، ورأس مالك هو عملك الصالح ممن قَدّم شيئًا عليه (( وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ) ) (الروم: 44) .

أيها المدرسونَ والطلابُ والآباء:ليتذكر كل منكم واجبه ، وليجاهد نفسه على أداء الأمانة بإخلاص وإن من القيام بأمانة العلم:

مجاهدةَ النفس على العمل به فهذا هو ثمرة العلم وذلك بلزوم التواضع وإساءةِ الظن بالنفس ، والمحافظة على الجمعة والجماعة ، وبر الوالدين والحرص على نوافل العبادات والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليكون ممن فتح الله بصيرته وأنار قلبه وزاده علمًا وهدى ومن عمل بما علم أورثه الله علم مالم يعلم ، وحفظ علمه من النسيان ، وأصبح كلامه وتوجيهه مقبولًا .

أَمَّا من كان يجيد التوجيه بالقول فقط وفعله ومظهره يخالف ذلك فإنما يؤبخّ نفسه ، ويقيم الحجةَ على شخصه ( وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم(( من علمٍ لا ينفع ) ) [4] .

إذا العلم لم تعمل به كان حجةً عليك ولم تُعذر بما أنت حاملُ

فإن كنت قد أبصرت هذا فإنما يصدِّق قول المرء ما هو فاعلُ

فعلى مَنْ تصدّر لتعليم أبناء المسلمين:إن يتقي اللهَ فيهم ، وأن يتعاهدهم بالتوجيه وأن يغرس في قلوبهم العقيدة الصحيحة وأن يذكرهم بسيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه وما فيها من دروسٍ وعبرٍ وأن يكون قدوة لطلابه في مظهرة ومخبره وأن يحذر طلابه ـ دائمًا ـ من جلساء السوء ومن فتن الشهوات والشبهات فإنهم عنده أمانة والله المسئول أن يوفق أهلَ العلم وشبابَ الأمة وجميع المسلمين إلى أحسن الأقوال والأعمال وأن يرزقهم الفقه في الدين والبصيرةَ فيه وأن يعيذ الجميع من فتن الشبهات والشهوات إنه هو السميع العليم هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده ، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شيء قبله ولا شيء بعده .. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى اللهُ وسلم عليه وعلى آله وصحبه.

أما بعد: فاتقوا الله ـ رحمكم الله ـ واجتهدوا في تَعلِّم الأحكام الشرعية عن طريق السؤال والمذاكرة ، والجلوس إلى أهل العلم في المساجد والمعاهد والجامعات وعن طريق القراءة والاستماع فلقد توفّرت في هذا العصر ـ بحمد الله ـ وسائل التعلّم التي كان يرحل من أجلها سلفنا الصالح شهورًا وسنوات ، ويقطعون الفيافي والقِفار ، ويتعرضون للجوع والأخطار ومَنْ أراد تحصيل علمٍ غزير فليهجر الراحةَ وتضييعَ الأوقات فإن العلم لا يستطاع براحة الجسد

وهو لا يعطيك بعضَه حتى تعطيه كُلَّك.

فيا هذا:

إن كنت ترغب في عظيم الأجر وسمو القدر ونباهة الذكر وارتفاع المنزلة بين الخلق وتلتمس عزًا لا تثلِمُهُ الليالي والأيام فعليك بالعلم الشرعي فاطلبه في مظانه تأتك المنافع عفوًا واجتهد في تحصيله مدة من الزمن ثم تَذَوّقْ حلاوة الكرامة مدة عمرك وتمتّعْ بلذة الشرف فيه بقية أيامك واسْتَبِقْ لنفسك الذكرَ به بعد وفاتك (الحث على طلب العلم لأبي هلال العسكري) .

ما الفخرُ إلا لأهل العلم إنهُمُ على الهدى لمن استهدى إدلاءُ

وقدر كلِّ أمرئٍ ما كان يحسنُهُ والجاهلون لأهل العلم أعداءُ

فَفُز بعلمٍ تعشْ حيًا به أبدًا الناسُ موتى وأهل العلم أحياءُ

أيها الطلاب: تأدبّوا بآداب العلم وأقرءوا ما كتب عن فضل العلم وآداب الطلب ، واعرفوا للمعلِّم قدره ، واحترموا مَنْ تتعلمون منه واحتملوا قسوته للمصلحة:

ممن لم يحتمل ذُل التعلّم ساعةً تجرع كأس الجهل طول حياته

وحذارِ من العجب والكبر فهما خلقان ذميمان ولكنهما في أهل العلم وطلبته أقبح وأشدُّ ذمًا .

والعلم حربٌ للفتى المتعالي كالسيل حرب ٌللمكان العالي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت