الصفحة 2136 من 3812

وعلى طالبِ العلم أن يثبّت علَمه بالعمل ومما أُثر عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: (هتف العلم بالعمل فإن إجابة وإلا أرتحل) .

وطالب العلم قدوةٌ لغيره فعليه أن يصون نفسه على مجالس المنكر ومن يهتكون أستار الأدب

ويجتمعون على اللهو المحرم .

أيها الآباء: شجعوا أبناءكم على التحصيل العلمي وحفّظوهم كتاب الله فإنه أساس العلوم ، وحَذِّروهم من جلساء السوء، واسألوا عنهم في المدرسة وامنعوا عنهم وسائل الشر والفساد، وادعوه بالصلاح والهداية لتقرَّ أعينكم بهم وتنتفع الأمة منهم .

وإياكم - أن تركّزوا في أذهان الطلاب والطالبات بأن الرزق والوظيفة من الدراسة فحسب

بل علّموهم التوكل على الله عز وجل فكم من دارس مقير وكم من عامي غني .

إن الدراسة سببٌ لطلب العلم ورفع الجهل لمن استطاعها ووفّق إليها ، أمَّا من لم يستطيع مواصلة الدراسة ووجدَ له عملًا فلينصرف إليه بعدما أخذ من العلم الشرعي ما يقيم به دينه كما قيل: إذا لم تستطع شيئًا فدعه وجاوزه إلى ما تستطيعُ .

أن من أولياء الأمور من يقيس أبناءه بدراستهم لا بمحافظتهم على صلاتهم .

لذا ترى اهتمامهم بدراسة الأولاد وأعظم من اهتمامه بصلاحهم وصلاتهم وعفتهم وهذا انتكاس خطير وبلاٌ كبير، فنعوذ بالله من علمًا لا ينفع وقلب لا يخشع ونفس لا تشبع .

اللهم صل على محمد وآله وصحبه.

[1] (ورداه أبن حبان والحاكم وصححه وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ص 46 ) .

[2] رواه أبو داوود والترمذي وحسنه الألباني في صحيح الترغيب ص 33 .

[3] هذا ما ذهب إليه ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله ص 5 ـ 6 .

[4] رواه مسلم .

وصايا مهمة لطالب العلم

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أمَّا بعد:

فإنَّ من علامة الخير للإنسان أن يتفقه بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأن يتزيد من ميراث النبوة، فقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين ) ) [1] .

وثبت أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( خيركم من تعلّم القرآن وعلّمه ) ) [2] .

ولا شك أن من تعلم القرآن أن يتفقه المسلم في أحكام دينه، مما جاء به كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من الحلال والحرام.

وقد ذكر ابن القيم رحمه الله مفاضلةً بين طالب المال وطالب العلم، فذكر رحمه الله تفضيل طالب العلم على طالب المال بما يقرب من سبعين وجهًا، لأنَّ المستقرئ لحال كثير من الناس اليوم يجد أنهم بين إنسانٍ يطلب المال، ويكدّ بدنه، ويُمضي عمره في ذلك، وبين إنسانٍ يطلب العلم، ويكدّ بدنه، ويُمضي حياته ويقضيهما في ذلك، فذكر ابن القيم رحمه الله ما يقرب من سبعين وجهًا في تفضيل طالب العلم على طالب المال، وأُشير إلى شيء من هذه الأوجه التي ذكرها رحمه الله، فَمِمَّ ذكر قال: إن طالب العلم يدعوا الناس إلى الآخرة بطلبه، وأمَّا طالب المال فإنه يدعوا الناس إلى الدنيا بطلبه.

وذكر أيضًا أن العلم هو ميراث الأنبياء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظٍّ وافر ) ) [3]

وأما بالنسبة للدنيا فإنها ميراث الملوك، وفرقٌ بين الميراثين. فرق بين أن ينهل الإنسان ويتزيد من ميراث محمد صلى الله عليه وسلم وبين أن يأخذ من ميراث بقية البشر من الملوك، والحكام وغيرهم.

وذكر أيضًا من الأوجه أن العلم يحفظ صاحبه، فالعلم إذا كنت متزيدًا به فإنه يحفظ صاحبه، فالعلم إذا كنت مُتزيدًا به فإنه يحفظك من أمراض الشبهات، وأمراض الشهوات، بخلاف المال فإن الإنسان محتاجًا إلى أن يحفظ ماله في الصناديق ووراء الأقفال والودائع وغير ذلك.

وأيضًا ذكر من الأوجه أن العلم يتبع صاحبه حتى بعد الموت، حتى بعد موتك يتبعك علمك، إذ إنه من عملك، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله ) ) [4]

فالعلم يتبعك حتى بعد موتك، وأمَّا بالنسبة للمال؛ فإنه لا يتبعك بعد الموت، بل إن العلماء رحمهم الله يذكرون في باب الهبة والعطية أن الإنسان إذا مَرِض مرض الموت لا يملك أن يهب إلاّ الثلث فقط، وهذا من صدقة الله عز وجل عليه، وهو حي لا يملك أن يتبرع، لا يملك أن يهب، لا يملك أن يتصدق، لا يملك أن يوقظ، لا يملك أن يوصي إلاّ بالثلث فقط، إذا مرض مرض الموت، وأمَّا الثلثان فإنهما يكونان للورثة، ففرقٌ بين الطالبين، فمن نعمة الله عز وجل ومنّته أن يُهيّئ العبد للتصدي لطلب العلم، والتفقه في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم

وهناك وصايا لابد أن يأخذ بها طالب العلم الجاد الذي يريد أن يُلِمّ بشيءٍ من فنون العلم: فمن هذه الوصايا:

أولًا: الإخلاص

يجب على طالب العلم أن يخلص عمله لله، لأن العلم عبادة من أفضل العبادات، وأجلّ القربات، ولهذا ذكر أبو حنيفة أن تعلّم العلم وتعليمه من أفضل العبادات البدنية لما اختلف العلماء رحمهم الله في أيّ العبادات البدنية أفضل.

قال الشافعي: أفضلها الصلاة.

وقال الإمام أحمد رحمه الله: أفضلها الجهاد في سبيل الله.

وقال أبو حنيفة رحمه الله: أفضلها العلم؛ تعلّمه وتعليمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت