فهرس الكتاب
ولا شك أن تعلّم العلم وتعليمه من الجهاد في سبيل الله، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ) ) [5] .
والله عز وجل يقول: (( وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) ) (التوبة: 122)
فالله جعل المؤمنين طائفتين: طائفة تنفر في الجهاد في سبيل الله، وطائفة تجلس مع النبي صلى الله عليه وسلم تأخذ عنه سنته، فإذا رجعت الطائفة المجاهدة علّمتها الطائفة القاعدة.
والنبي صلى الله عليه وسلم في حياته جاهد الناس بجهادين:
الجهاد الأول: جهاد العلم والبيان، فهذا في المرحلة المكية مدة ثلاثة عشر سنة، كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد الناس بغرس التوحيد، ونبذ الشرك وشوائبه، ثم بعد ذلك في المرحلة المدنية، جاهد الناس بجهاد السيف والسنان، فعلينا أيها الأحبة أن نخلص لله عز وجل.
وقال الإمام أحمد: (العلم لا يعدله شيء لمن صحت نيته. قيل: وكيف تصح النية؟ قال: إذا أراد أن يرفع الجهل عن نفسه وعن غيره) .
فإذا أراد بتعلمه أن يرفع الجهل عن نفسه، وعن غيره، وأن يعبد الله على بصيرة، وأن يدعوا الناس إلى هذا العلم الذي تعلمه، فإن هذا لا شك أنه لا يعدله شيء كما قال الإمام أحمد رحمه الله، لأن هذا هو عمل الأنبياء والرسل عليهم السلام، فالذي يقوم بتعلم العلم فإنه يقوم مقام الأنبياء، فإنهم يتعلمون من ربهم، ثم بعد ذلك يُعلّمون الناس، ويوجّهونهم، ويرشدونهم.
فعلينا دائمًا وأبدًا أن نُعلّق قلوبنا بالله عز وجل، محبة ورهبة ورغبة ورجاء وتوكّلًا واستعانة،وألاّ يلتفت قلب الإنسان إلى المخلوقين وإلى الدنيا وحظوظها الفانية. وفي حديث أبي هريرة صلى الله عليه وسلم في الصحيحين يقول الله في الحديث القدسي: (( أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه ) ) [6] .
وذكر سفيان رحمه الله قال: « كانوا يتعلمون النية كما يتعلمون العلم » .
وقال بعض السلف: « رُبَّ عملٍ صغير كبّرته النية، ورُبَّ عملٍ كبير صغّرته النية» فقد يبذل الإنسان جهده، ويعمل، ويُكثر من العمل لكن تصغّره نيته، تكون نيته مشوبة بشوائب الشك، مشوبة بالرياء، مشوبة بالسمعة، مشوبة بالتفات القلب إلى المخلوقين.
فعلى المسلم دائمًا وأبدًا أن يعلّق قلبه بالله عز وجل، وألا ينظر إلى الدنيا وحظوظها الفانية، وإنما يريد وجه الله عز وجل، والاستزادة من هذا العلم، وتبصير الناس، ودعوتهم، والآثار عن السلف في الإخلاص كثيرة جدًا، وقد ذكر أبو واسع رحمه الله قال: كان الرجل يقوم في الصف فتسيل دموعه على لحيته، ولا يشعر به من بجنبه، وكان الرجل يكون رأسه مع رأس امرأته على وسادة واحدة تسيل دموعه على خده لا تشعر به امرأته.
وقال أبو التياح رحمه الله: كان الرجل يقرأ عشرين سنة لا يعلم به جيرانه.
وقال محمد بن الحنفية:الإجابة والإخلاص مقرونان لا فرق بينهما": يعني أن إجابة الدعاء يكون مع الإخلاص، فكل ما كان الإنسان في عمله أخلص؛ كلما كانت استجابة الله له أكثر."
ثانيًا: العمل بما علم
وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك أيضًا هدي صحابته رضي الله عنهم، وثبت في صحيح مسلم من حديث أُمّ حبيبة رضي الله عنها أنها قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من صلّى لله في يوم وليلة ثنتي عشر ركعة تطوّعًا غير الفريضة إلا بُني له بهنّ بيتٌ في الجنة ) ) [7] .
قالت أم حبيبة رضي الله عنها: (فما تركتهن منذ أن سمعتهنَّ من رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال عنبسة - الراوي عن أم حبيبة: (فما تركتهن منذ سمعتهن من أم حبيبة) قال النعمان بن سالم - الراوي عن عنبسة: (ما تركتهن منذ سمعتهن من عنبسة) . قال عمرو بن أوس - الراوي عن النعمان بن سالم: (فما تركتهن منذ سمعتهن من النعمان بن سالم) .
وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما رأى في منامه النار.... فقصّها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( نِعْمَ الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل ) ) [8] .
في الصحيحين قال سالم بن عبد الله: « فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا » .
ومعاذ بن جبل رضي الله عنه يأتي رسولَ الله ويقول: يا رسول الله! دُلّني على عمل يدخلني الجنة، ويباعدني من النار. قال: دُلّني على عمل، يريد أن يعمل، فذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام ودعائمه: تعبد الله ولا تشرك به شيئًا، وتصوم، وتصلي الصلوات، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثم دلّه على أبواب الخير، ثم قال له: ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه، ثم دلّه على ملاك ذلك كله، لأنه رضي الله عنه أراد العمل [9] .
وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة والمغيرة بن شعبة رضي الله عنهما، كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه [10] .
كلّ ذلك استجابة لقول الله: (( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا ) ) ( المزمل: 1-2 ) .
وكان مسروق يقوم الليل حتى انتفخت ساقاه، وكانت امرأته تقف من ورائه وتبكي وتقول: إنَّما أبكي رحمةً له.
فعلينا أيها الأحبة إذا علمنا شيئًا أن نسارع للعمل وامتثاله، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وهدي الصحابة.