الصفحة 2148 من 3812

والسائحون هم: الصائمون في قول أكثر المفسرين ، واستدُلَ لهُ بقولهِ تعالى في وصفِ نساءِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ) ) (سورة التحريم:5) .

وبما وردَ في الحديثِ عن عائشةَ -رضي الله عنها- مرفوعًا: (( سِيَاحَةُ هَذهِ الأَمةُ الصِيَامُ ) )وكذا فسرَ السياحةِ بالصيام؛ أَبو هريرةَ، وابن مسعودٍ، وابن عباسٍ، وعائشة وغيرهم- رضي الله عنهم- . وقال عطاء: السائحون: هُمُ الغزاةُ المُجاهِدُونَ في سبيلِ الله، وقيل السائحون: المُهاجِرون. وقيل: السفر في طلب العلم قال عِكرِمةَ السائحونَ: هم طلبةُ العلمِ، وقيل: سياحةُ القلب في معرفة الله ومحبته .

قال الشيخ ابنُ سعدي رحمه الله: (والصحيح أن المراد بالسياحة السفر في القربات ، كالحج والعمرة، والجهاد وطلب العلم، وصلة الأقارب، ونحو ذلك) أهـ.

هذا هو مفهوم السياحة في الإسلام!!

سياحة تظهر دين الله وتحميه وتنصره قال صلى الله عليه وسلم: (( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) ) [1] .

سياحة للنظر والتدبر والتأمل والتفكر في ملكوت الله ، (( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) ) (الأنعام:11) .

وقال سبحانه: (( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ) ) (النمل:69) ، وقال جل ذكره: (( قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) ) (العنكبوت:20) .

سياحة لطلب الرزق وتأمين الأمة معيشيًا ، سياحة لطلب العلم والفكر والخير والدعوة إلى الله. هذا مفهوم السياحة في الإسلام.

وقد دُنِّسَ هذا اللفظُ حيثُ أصبحَ مُصطلحًا مُعاصِرًا تُشَمُّ منهُ رائحةَ التلوثِ العقدي، والفسادَ الأخلاقي، والتحللَ من الضوابطِ والقيمِ، فإلى اللهِ المُشتكي، وحسبُنا اللهُ ونعم الوكيل .

والسياحة مفهومها الحالي يخالف مفهوم الإسلام طريقة وهدفًا فلماذا كان أسلافنا يسافرون ؟! كانوا يسافرون دعوة إلى الله وجهادًا والآن أصبح السفر والسياحة عند البعض للجنس والشهوة والعبث واللهو!! لماذا سافر مصعب بن عمير t سافر داعيةً ومعلمًا للقرآن؟! لا وليًا للكفر ولا مهادنًا ولا لاعبًا ولا لاهيًا.

لقد وطئ سلفنا الصالح بلاد الكفر وفرنسا وأوربا وآسيا لا جلوسًا على الحانات ولا ارتيادًا للخمارات ولا تصدرًا لموائد القمار والمسارح ولا جلوسًا في مدرجات الكرة ولا معانقة للباغيات والمومسات كلا !!

بل وطئوها ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ظلم وجور الأديان إلى نور وعدل الإسلام.

إنه لمن المحزن المبكي أن أصبحت السياحة والسفر إلى بلاد الكفار موضع افتخار بعض المخدوعين من المسلمين فهذا يفتخر أن ابتعث للدراسة هناك، أو أن له ولدًا يدرس في الدول الغربية، وهذا يتبجح بقضائه الإجازة كل عام متنقلًا بين شواطئ أوربا وسهولها وجبالها دون تفكير في النتائج أو تقدير للعواقب..

ثم إن هؤلاء إذا ذهبوا ذابت شخصياتهم مع الكفار فلبسوا لباسهم واقتدوا بآثارهم حتى النساء المسلمات يخلعن ثياب الستر والعفاف ليلبسن لباس الكافرات والداعرات؟!! فلماذا نعطي الدنية في ديننا ؟! وكيف يستبدل المسلم الذي هو أدنى بالذي هو خير؟!، وكيف يتنازل من علياء إيمانه إلى حضيض ومزبلة الكفر...

إن من أعجب العجب أن الكفار إذا جاؤوا إلى بلادنا لا يغيرون أزياءهم ولا يتحولون عنها؟! وبعض المسلمين على العكس من ذلك إذا ذهب إليهم تحول إلى عاداتهم وجال في حاناتهم وجاس في الملاهي والمسارح والشواطئ..

يا عجبًا لهؤلاء الذين ركبوا دابة السفر وامتطوا ثبج السياحة ؟! يفرون من ديارهم ديار التوحيد والإيمان إلي ديار الكفر والطغيان، يهربون من ديار ملؤها الأمن والأمان إلى بلاد تتزايد فيها نسب الجرائم والقتل تزايد الثواني، يتولون عن سوح طاهرة مباركة يدوي فيها الآذان وتعج بالتكبير إلى ديار خواء تصلصل فيها أجراس الكنائس كل ذلك في رحلات عابثة كلها إسراف وتبذير..

وليت هؤلاء حين رحلوا، رحلوا دعوة إلى الله تعالى وتبليغ دينه، وليت هؤلاء يوم أن أنفقوا ، أنفقوا نصرةً للمجاهدين أو سدًا لحاجة المعوزين أو إغاثةً للاجئين، ولكنهم - وللأسف - وأقولها بمرارة رحلوا وسافروا وساحوا للهوى والشيطان إن أنفقوا فعلى لذة رخيصة وشهوة وضيعة وإن جلسوا وساحوا فعلى شواطئ وأندية العراة، بل إن السائح المسلم يساوي عند الغرب وزنه ذهبًا فهو مثال للبذخ يسكن في أرقي الفنادق ويبذل المال في الحلال والحرام ويتصدر موائد الخمرة والقمار...

يا هؤلاء لئن كان السفر جبلًا يعبق بالهواء العليل فذلك موجود في بلادنا المحافظة .. ولئن كانت السياحة سهولًا وبحرًا عبابًا فذلك موجود في ديارنا المسلمة ولئن كانت السياحة علومًا تجتنى ومعارف تقتنى فالعالم الإسلامي هو ابن بجدتها وهو منبع العلوم وموئلها فلماذا الإصرار على السياحة في ديار الكفر والتثليث والإلحاد والإباحية دونما حاجة أو مصلحة أو ضرورة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أنا بريء من امرئ يقيم بين ظهراني المشركين ) ) [2]

وقد استثنى العلماء من ذلك المجاهد في سبيل الله، والداعية إلى الله، والمسافر للعلاج أو لدراسة ما ينفع المسلمين أو للتجارة ، كل ذلك مشروط بأن يكون مظهرًا لدينه قادرًا على إقامة شعائره قوي الإيمان وللضرورة حينئذ أحكامها...

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت