فهرس الكتاب
ألا وإن من البلايا - عباد الله - ما أحدث في بعض الأماكن والمصايف من أمور منكرة كحفلات الأغاني الساهرة التي يجلب لها الفنانون والفنانات وتعد لها المسارح الكبيرة... تلك الحفلات والمهرجانات والمناسبات التي عمودها الغناء وآلات المعازف وخيمتها الغفلة عن ذكر الله جل وعلا، والغناء.
عباد الله: من المحرمات التي استهان بها كثير من الناس إلا من عصم الله قال الله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ *وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) ) ( لقمان: 6-7) .
قال أكثر المفسرين: المراد بلهو الحديث في هذه الآية الغناء ، ويحلف الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث مرات - إنه الغناء ، وكذا قالَ ابنُ عباس، وجابرُ، وعكرمةُ، وسعيد بنُ جبير، ومجاهدٌ ومكحول وغيرهم، (تفسير ابن كثير 3/703) .
قال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب فلا يعجبني، وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا واستماع الأغاني والمعازف سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة . قال ابن القيم:"والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارُب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو ، وبُلو بالقحط والجدب ، وولاة السوء"آهـ .
فتجنب - أخي المسلم - وجنب مَنْ تحت ولا يتك مواقعَ اللهوِ والفسوقِ والعصيان، كالحفلاتِ الغنائيةِ، والتجمُعاتِ المختلطة، فإنَّ اللهَ يُمهِلُ ولا يُهمل، وإنَّ اللهَ يَغَارُ وغيرتَهُ أن تُنتَهكَ حُرمَتَهُ، يقولُ النبي صلى الله عليه وسلم: (( في هذه الأمةِ خسفٌ ومسخٌ وقذف"فقالَ رجلٌ من المُسلمين: يا رسولَ اللهِ ومتى ذاك ؟ قال: إذا ظهرت القِيناتِ والمعازفِ، وشُربت الخُمور ) ) [6] ."
فلا تأمن من مكرِ اللهِ تعالى، ولا يأمن من مكرِ اللهِ إلاَّ القومُ الخاسرون .
وفي السُنةِ النبويةِ تأكيدٌ على حُرمةِ الغناء، ففي صحيحِ البخاري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( ليكُوننَّ من أمتي قومٌ يستحلونَ الحِرَ والحريرِ والخمرِ والمعازف ) ).
وتأملوا كيفَ جُمعَ تحريمُ الغناءِ والمعازفِ مع تحريمِ الفروج، والحريرِ والخمر؟ وما فتئَ علماءُ الأمةِ الربانيون يُحذِرُونَ من فتنةِ وعبوديةِ الشهوات.
يقولُ الشافعي - رحمه الله: (من لزمَ الشهواتِ لزمتهُ عبوديةُ أبناءِ الدنيا) (سير أعلام النبلاء 10/97) .
ويقولُ ابنُ تيميةَ - رحمهُ الله: (والعشقُ والشهواتُ إنَّما يُبتلى به أهلُ الإعراضِ عن الإخلاصِ لله، الذين فِيهم نوعٌ من الشركِ، وإلاَّ فأهلُ الإخلاصِ كما قال تعالى في حقِّ يوسفَ- عليه السلام-:(( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلصِينَ ) ) (سورة يوسف:24) (الفتاوى 15/421) .
وأخيرًا أحذر أخي المسلم، أختي المسلمة أن نكونَ ممن قالَ اللهُ فيهم: (( فَخَلفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيًّا ) ) (سورة مريم:59) .
الحمد لله وكفى سمع الله لمن دعا والصلاة والسلام على النبى المجتبى وآله وصحبه وعلى مَنْ على منهاجهم اقتفى , وبعد فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.
عباد الله: كلامنا عن السياحة والسفر والاصطياف لا يعني أن يكون المسلم نشازًا مع أهله لا يرفههم ولا يدخل السعادة على قلوبهم!! هناك مجال للترفيه والراحة والتنزه ولكن بالسبل المباحة المأمونة التي تعود بالنفع على الفرد والمجتمع ، هناك بدائل شرعية وبدائل مباحة ومن هذه البدائل ومنها:
* الذهاب للعمرة إلى بيت الله الحرام أو زيارة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( صلاة في مسجدي افضلُ من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجدَ الحرام وصلاة في المسجد الحرام أفضلُ من مائة ألف صلاة فيما سواه ) )رواه أحمد وابن ماجة وصححه الألباني.
* وكذلك السفر في بر الوالدين وصلة الأرحام وزيارة العلماء والصالحين في الله تعالى وإجابة دعوات الأفراح والمناسبات التي ليس فيها منكرات قال صلى لله عليه وسلم: (( من لم يجب الدعوة فقد عصى ابا القاسم ) ).
* وكذلك السفر لأجل الدعوة إلى الله قال تعالى: (( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) ) ( فصلت: 33)
وقال صلى الله عليه وسلم: (( فوالله لن يهدي الله بك رجلًا خير لك من حمر النعم ) ).
* ومن الأمور المعينة على استغلال الإجازة والفراغ وهذا نوصي به الناس بعامة والشباب بخاصة طلب العلم وتحصيله والسفر لأجله قال صلى الله عليه وسلم: (( ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة ) ) [7] .
ولقد كان السلف يرحلون في طلب العلم والمعرفة فهذا ابن مسعود رضي الله عنه يقول: (( لو أعلم مكان أحد أعلم مني بكتاب الله تناله المطايا لأتيته وقال البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه: ) )رحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في حديث واحد"أهـ."
وقال الشعبي رحمه الله: لو سافر رجل من الشام إلى أقصى اليمن في سبيل كلمة تدله على هدى أو ترده عن ردى ما كان سفره ضائعًا"أهـ."