الصفحة 2160 من 3812

فالغني بماله يبذله للدعوة والدعاة ولمشاريع الخير والإصلاح، والمتعلَّم بعلمه ونصحه وإرشاده، فكلٌ منا على ثغرة، فالمدرس في مدرسته، والطالب مع زملائه، والموظف مع إخوانه، وإمام المسجد مع جماعته، والشاب مع أهل حَيِّه وأسرته، ولا بد من مراعاة أحوال المدعويين، والتلطف والرفق في المعاملة والإحسان وبذل المعروف.

قال عز وجل: (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) ) (النحل:125) .

نعم إن الدعوةٌ إلى سبيل الله لا لشخص الداعي ولا لقومه، فليس للداعي من دعوته إلا أنه يؤدي واجبه لله لا فضل له، يتحدث به لا على الدعوة، ولا على من يهتدون على يديه، فإنما أجره على الله.

قال أبن القيِّم ـ رحمه الله ـ: ( جعل الله مراتب الدعوة بحسب مراتب الخلق، فالمستجيب القابل الذكي الذي لا يعاند الحق ولا يأباه يدعي بطريق الحكمة، والقابل الذي عنده غفلة وتأخر ويدعي بالموعظة الحسنه، وهي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب، والمعاند الجاحد يجادل بالتي هي أحسن ) ( أ ـ هـ ) مفتاح دار السعادة .

عباد الله: إننا لو استقرأنا أخبار الرسل ودعواتهم، ونظرنا في تاريخ حركات الإصلاح لوجدنا أن مواقف الناس من الدعوة لا تخرج عن ثلاثة مواقف:-

الصنف الأول: وهم أولئك الذين طَهّر الله تعالى نفوسهم من الكبر والغرور، فعقلوا عن الله ورسوله، وآمنوا بالحق المبين، وعاشوا من أجله وضحوا في سبيله، (( أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ) )(الأنعام:

الصنف الثاني: أولئك الذين ماتت ضمائرهم وقست قلوبهم، فوقفوا بكل عناد واستبداد يعارضون دعوات الرسل والأنبياء، ويحاربونها بكل وسيلةٍ، فهؤلاء الملأ دائمًا في طليعة من يتصدى لأنبياء الله، لأن نفوسهم قد امتلأت بحب المال والجاه، وقلوبهم قد أشربت كرهَ كلِّ مَنْ يدعو إلى دين الله، قال سبحانه عنهم: (( وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ ) ) (سبأ:34 ) .

وقومُ نوح أقرب مثال على هذا: (( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا ) ) (نوح:7 ) .

بل إنهم يصرفون الآخرين عن الدعوة وعن الحق لئلا ينعموا به، (( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ) ) (فصلت:26) .

إنهم يتآمرون ويمكرون ويكيدون، (( وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) )(نوح: ،22

الصنف الثالث: فَهُم الذين لم يكن لهم إيمان الصنف الأول ولا جرأة الصنف الثاني المكذبين، ولكنهم شرٌ منهم، يشتركون مع الصنف الثاني في خبث النفس وفساد الفطرة والطويه، والحنق على الرسل، ويزيدون بأنهم على قدرٍ عظيم من الجبن وضعف القلب والمراوغة، أولئك هم المنافقون الذين قال الله عنهم، (( وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ ) ) (البقرة: 8،9) .

أيها المسلمون: إن مجالات الدعوةِ إلى الله كثيرةٌ ومتنوعةٌ، وأساليبُها وطرقها متعددة: ومن ذلك مجال التعليم عمومًا في المدرسة والجامعة والمسجد وغير ذلك، فالمدرس يجب أن يكون داعية إلى الله بالقول والعلم والقدوة الحسنة، فلا يقتصر دوره على مجرد إلقاء الدرس فقط، بل عليه أن يوجه ويعلم ويرشد الطلاّب إلى كل خير وعملٍ صالح، ومن مجالات الدعوة أيضًا:

إمامة المسجد، وكذا موسم الحج، ومنها الدوائر والأعمال الوظيفية، فيجب على رئيس العمل أن يسهم في الدعوة بين منسوبيه وموظفيه وبالتوجيه، وبث الوعي، وأن يتفقدهم عند حضور الصلاة، وأن يشجع كلَّ عمل مثمر ودعوة إلى الخير وتعميمه .

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدون إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين .. أما بعد

فإن من وسائل الدعوة إلى الله نشر الكتيِّب الإسلامي وتوزيعه، فإن هذا من الجهد المشكور، والعمل المبرور، وهنا لا بدَّ من تنبيه وهو أن الساحة اليوم ملأ من هذه النوعية، فينبغي أن يختار منها ما هو الأصلح والأنفع، وليرجع إلى طلبة العلم والمختصين في اختيار المناسب لعامة الناس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت