فهرس الكتاب
ومن وسائل الدعوة أيضًا الشريط الإسلامي، وهو أشهر من أن ينبه عليه، فلقد يَسّر الله عز وجل الانتفاع به بصورةٍ لم يسبق لها مثيل، فهو يحتوي على الأحكام الفقهية والعقائد الصحيحة النافعة، والكلمات الصادقة، والمحاضرات المفيدة، وهو مع المسلم في سيارته وداخل منزله، وهذا من أسباب تيسير العلم فلله الحمد والمنة، وبالجملة فلا ينكر أثر الشريط الإسلامي ومنزلته إلا جاهل به، فكم هدى الله عز وجل به ضالًا، وكم صار بإذن الله سببًا في رد شبهة وإنكارها، وكلمة حق وقول صدق، ومع ما يمُّر به من عقبات، إلا أن المسلمين ـ بحمد الله ـ يدركون أهميته ومكانته، ولم يكن من فوائده الكثيرة ومنافعه العديدة إلا أنه حَلَّ مكان الأغنية الماجنة، وأصوات الفساق من المغنين والمغنيات هذا الغناء الذي أفسدَ القلوب، وزرع النفاق فيها، وحّرض على الفواحش وارتكابها.
قال الإمام العلامة أبن القيِّم ـ رحمه الله-: ( ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماعَ الغناء كما يجنبهنَّ أسباب الريب... فلعمر الله كم مِنْ حرّةٍ صارت بالغناء من البغايا، وكم من حُرِّ أصبح عبدًا للصبيان أو الصبايا، وكم من غيور تبدل به اسما قبيحًا بين البرايا، وكم من ذي غنى وثروةٍ أصبح بسببه على الأرض بعد المطارف والمشايا، وكم من معافى تعرض له فأمسى وقد حلّت به أنواع البلايا، وكم جرّع من غصة وأزل من نعمه، وجلب من نقمة، وذلك منه من إحدى العطايا؟! وكم خبأ لأهله من آلام منتظرة، وغموم متوقعة وهموم مستقبله ) ( أ ـ هـ ) .
أيها المسلمون: لا بد من التذكير ببعض ما يجب على الداعية أن يتخلّف به ولو على جهة الإيجاز والاختصار، ومن ذلك أن يجتهد في تزكيه نفسه بالعلم النافع والعمل الصالح، ويصلحها قدر الإمكان، وكذا أسرته وأهلُ بيته عليه أن يعمل على أصلاحهم وتأديبهم، وإبعاد الفساد عنهم، ومن صفات الداعي إلى الله: الصدق في الأقوال والأفعال، فإنه الصدق يهدي إلى البر والبرُّ يهدي إلى الجنة.
وإنه مما يدمي القلب أن يتوسّع بعض الناس تحت شعار مصلحة الدعوة وسلامة الدعاة، ومصلحة الدعوة تقتضي الانقياد الكامل لأوامر الله واقتفاء أثر أنبيائه ورسله، وسلامة الدعاة من أذى يصيبهم في الدنيا لا يساوي شيئًا أمام ما توعد الله به الكاذبين، (( وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ) ) (الفرقان:27) .
ومن أخلاقه التواضع، فيعرفُ قدر نفسه فلا يضعُها في غير موضعها، ولا يحتقر إخوانه، ويعرفُ أيضًا للعلماءِ وطلبه العلم أقدارهم، ( ومن جهل أقدار الرجال فهو بنفسه أجهل ) ، ومن ذلك: الصبر وما أعظمه، فهو قرين اليقين، وبهما تنالُ الإمامةُ في الدين، قال تعالى: (( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) ) (السجدة:24) .
ومن صفات الداعية الناجح العدل: وهو إعطاء كلّ ذي حق حقه، ويشمل العدلَ في تقويم الرجال والكتب، ووسائل العلم، والحكم على الناس، ومن أهمِّ الصفاتِ وأعظمِها، وأدلها وأكبِرها الإخلاص لله عز وجل، فيكون مقصوده وهدفُهُ إظهار دين الله وإعلاءُ كلمة الله، ونفع المدعوين وهدايتهم إلى الخير، وهذا مستفاد من قوله: (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )(يوسف:
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ رحمه الله ـ: عن هذه الآية: فيها التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرًا من الناس لو دعى إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه ـ يعني أنه يريد الظهور والمدح من الناس، وهذا ينافي الإخلاص والله المستعا
العلماء والميثاق
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله اللهم صلي وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فلا يخفى على كل ذي لب أن ما من خير وضعه الله عز وجل في هذه الأرض إلا وأصله ومادته من العلم ، وما من شر إلا وأصله ومادته ومنبته من الجهل ، ولذلك رفع الله بالعلم العلماء ووضع بالجهل الجهلاء وقد جعل الله لأهل العلم من الخير والفضل والمنقبة في الدنيا والآخرة ما لا يخفى ، فالعلم فضله يدل العقل عليه ، والجهل يكفي في بيان ذمه أن الجاهل يتبرأ منه ، ويكفي في فضل العلم أن يلتمسه حتى أهل الجهالة:
يعد رفيع القوم من كان عالمًا وإن لم يكن في قومه بحسيب
وإن حل أرضًا عاش فيها بعلمه وما عالم في بلدة بغريب
فلعلماء الإسلام سلطان على الأرواح ، تخضع له العامة طواعية ورغبة خضوعًا فطريًا لا تَكَلُّفَ فيه لشعورهم أن العلماء هم المرجع في بيان الحق ، ولذلك جعل الله أهل العلم بالمقام المحمود عنده.
إذا عُلِمَ أن الإنسان لا يمكن أن يَتَعَبَّدَ للهِ _ عز وجل _ بشيء من العبادات والقُرُبَات إلا بالعلم ، عَلِمَ فضله وأنه ما من خير يعمل به الإنسان إلا لسابق علم أو أثاره وصلت إليه فَعَمِلَ بما عَلِم ولذلك أشهد الله العلماء على أشرف معلوم وهو توحيد الله فقال الله _ سبحانه وتعالى _ (( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) ) [آل عمران: 18] .