فهرس الكتاب
توحيد الله أشرف وأعظم ما يُتَقَرَّبُ به إليه ، هذا العظيم في حال الشهادة ، يُطْلبُ له العلماء ، ولذلك أشهد الله الملائكة ومن الناس العلماء ، وذلك أنه لا يُشْهَدُ على العظيم إلا العظماء.
ورفع الله أهل العلم في الدنيا على أهل الجهالة فمراتبهم بين الناس على قدر علمهم وتمكنهم من وحي الله _ سبحانه-.
وإذا أُطْلِقَ العلم في كلام الله وفي سنة رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فالمراد به العلم الشرعي ، ولذلك يقول النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كما في المسند [1] والسنن [2] "العلماء ورثة الأنبياء ، إن العلماء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ، إنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر"
وقد أمر الله _ عز وجل _ نبيه عليه الصلاة والسلام أن يسأل زيادة من العلم فقال الله - جل وعلا _ (( وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) ) [ طه:114 ] فلم يأمر الله نبيه _ عليه الصلاة والسلام _ أن يسأل شيئًا من خيري الدنيا والآخرة زيادة فيه إلا زيادة في العلم _ لفضله وجلالته _ وأن الإنسان قدره عند الله بقدر علمه بوحيه ، وعمله بذلك .
ووحي الله هو كتابه وسنة رسوله _ صلى الله عليه وسلم _ قال الله جل وعلا (( يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ) ) [ المجادلة: 11 ] فدرجاتهم عند الله بقدر علمهم ، ودركاتهم عنده بقدر جهلهم.
ولذلك ما عُصِيَ الله- عز وجل - إلا بجهالة، وما عُبِدَ إلا بعلم ومعرفة .
وقد كان أهل العلم هم أهل الحظوة والفوز عند الله وجاء الله بآيات كثيرة في مدحهم ، وجاء بمدحهم في سنه رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ من الأحاديث ما لا يحصى.
ويكفي أن الأصل في العلماء العدالة ، ولذلك يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في المسند وغيره [3] (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) )قال ابن عبد البر رحمه الله « وفيه دلاله على أن العلماء عدول وهو الأصل فيهم » [4] ونبه على هذا ابن القيم [5] _ عليه رحمة الله _ وذلك أن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قال هنا (( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ) ).
والمعنى في حديث رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ هذا ظاهر.
ويكفي في ذلك أن الخير لا ينتشر في الأرض إلا بالعلماء ، وأن الشر لا ينتشر في الأرض إلا بفقدهم ، ولا ينقص الخير إلا بفقد العلماء .
مهمة العلماء أن يتصدوا للتيارات الجارفة بالأمة نحو الهلاك ، هم القادة المصلحون الذين يقودون العباد والبلاد إلى بر الأمان ، هم الطليعة الذين يتقدمون الشعوب نحو كل خير ، وهم محل ثقة الناس عامة ، وقد خصهم الله بالذكر ولذا قال الله في بيان فصلهم في هذه الأرض قال: (( أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ) [ الأنبياء:44 ] .
وقال الله _ جل وعلا _ (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) ) [الرعد:41] والمراد بِنُقْصَانِهَا كما جاء عن غير واحد من المفسرين هو ذهاب العلماء والفقهاء ، فقد روى وكيع عن طلحة بن عمير عن عطاء بن أبي رباح قال في قوله: [الرعد:41] قال: « ذ (( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) )هاب فقهاءها وخيارها [6] » .
قال ابن عبد البر: « قول عطاء في تأويل هذه الآية حسن جدًا ، تلقاه أهل العلم بالقبول » [7] .
وروي هذا عن غير واحد من المفسرين ، فقد روي ذلك عن مجاهد بن جبر كما رواه سفيان عن منصور عن مجاهد بن جبر قال في قول الله _ عز وجل _ (( أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ) [ الأنبياء:44 ] .
قال « موت الفقهاء والعلماء » [8]
فأطراف كل شيء شريفه ، وأفضل شيء فيه ولذلك يقول الفرزدق:
وأسأل بنا وبكم إذا وردت منى أطراف كل قبيلة من يمنع
أي أشراف كل قبيلة .
ويقول الأعشى:
هم الطُّرُفُ البَادُ العَدُّوِّ وأَنْتُمُ بِقُصوى ثَلاثٍ تَأكلونَ الرَّقَائِصا
من نظر إلى الشر حينما ينتشر في الناس فإنه لا ينشر إلا بسببين لا ثالث لهما:
أحدهما: بفقد العلماء واندثارهم في هذه الأرض وهذا مصداق قول الله _ جل وعلا _ (( نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) ) [الرعد:41] .
والسبب الثاني: تقصير العلماء بالقيام بواجبهم وذلك حال وجودهم ، ولذلك يقول النبي _ صلى الله عليه وسلم _ كما في البخاري ومسلم [9] من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ (( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور العباد ، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء ، حتى إذا لم يبق عالمًا ، اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا ، فسئلوا فأفتوا بغير علم ، فضلوا وأضلوا ) )فإن أهل الجهالة لا يتصدرون إلا حينما يغيب أهل العلم الذين يقومون بأمر الله ، فمهمتهم في هذه الأرض إن يدلوا الناس إلى الخير ويحذروهم من الشر، ويقودوا هذه الأمة إلى بر الأمان على مر الأزمان ، وقد جعل الله لهم الثقة المفرطة بين العباد ، وأمر الله بالرجوع إليهم عند المشكلات والمعضلات ، يقول الله في كتابه العظيم: (( فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ) ) [النحل: 43 ] .