فهرس الكتاب
وهذا أول خلاف وقع في هذه الأمة بعد وفاة رسول الله مصداقًا لقوله"أنا أمنة لأصحابي ، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون"، تقول عائشة كما روي البخاري [17] من حديث ابن عقيل عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة _ عليها رضوان الله تعالى _ قالت: ( توفي رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وجاء أبو بكر من داره فدخل مسجد رسول الله ولم يحدث أحدًا حتى دخل داري فجاء لرسول الله ويممه وهو مغشي بثوب حبرة فكشف عن وجهه وأكب عليه فقبله وبكى فقال يا رسول الله بأبي أنت وأمي والله لا يجمع الله عليك موتتين ، أما الموتة التي كتبها الله عليك فقد متها ) .
قال الزهري رحمه الله: حدثني أبو سلمة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: ( خرج أبو بكر وعمر يكلم الناس، فأمره أن يجلس فأبى ، فأقبل الناس إلى أبي بكر الصديق، وتركوا عمر فقام أبو بكر فيهم فقال: ( أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت قال الله _ عز وجل _(( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ) [آل عمران: 144] .
قال عبد الله بن عباس: ( والله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية أنزلت على رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إلا لما تلاها أبو بكر _ فتلقاها منه الناس كلهم ، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها ) .
يقول سعيد بن المسبب عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ( والله لما سمعتها من أبي بكر حتى ما تقلني رجلاي ، وحتى اهتويت إلى الأرض ، حتى سمعته تلاها علمت أن النبي _ صلى الله عليه وسلم _ قد مات ) .
وفي هذا أن أهل العلم مهما بلغوا بالعلم بوحي الله ، أنهم في حال الفتنة واضطراب الزمن وما يحدث من نوازل قد يغيب عنهم من الدلائل والحجج الظاهرة ما يغيب عنهم كما غاب عن عمر بن الخطاب تلك البينة الظاهرة من كلام الله، وعَلِمَ أعلم الناس بعد رسول الله _ صلى الله عليه وسم _ من الأمة أبو بكر ، وحينئذ يلتمس لمن غاب عنه الدليل العذر كما عذر عمر بن الخطاب هنا لما تلا أبو بكر قول الله - جل وعلا _ (( إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ) ) [ الزمر:30 ، 31 ] .
وقول الله: (( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ) ) [آل عمران: 144] .
فلم يلبث أصحاب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إلا لحظات أو ساعات من الزمن حتى ائتلفت كلمتهم ، لأنه قد قام بهم أعلم الناس بعد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ واستدل بوحي الله .
ثم لم يلبث رسول الله وهو مسجى ببردته حتى وقع خلاف آخر يسير لم يوقع الفرقة والشقاق ، ولكنه لم يلبث أن نزع بالعالمين بالوحي ، وكان أعلمهم أبو بكر فاختلفوا أين يدفن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم - ؟ وهل يُغَسَّل وهل يُجَرَّد كما يُجَرَّد الموتى ؟ أو يوضع الماء على ثيابه ؟ ولذلك قد أخرج محمد ابن اسحاق [18] من حديث يحيى بن عباد بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( اختلف أصحاب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ أَنُجَرِّدُ رسول الله كما نُجَرِّدُ موتانا ، ونغسله كما نغسل موتانا أم نصب عليه الماء ، قالت: فو الله لم يلبث الناس حتى غلبهم النعاس حتى طرقت ذقونهم ، فناداهم منادٍ: أن اغسلوا رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وصبوا عليه الماء صبًا ) .
ثم اختلف أصحاب رسول الله أين يُدْفَن رسول الله ؟ أيدفن في مكة موطن مولده ومبعثه وقبر جده وقبلته؟ ، فقال قوم من أصحاب رسول الله يدفن في بيت المقدس قبلته الأولى وقبر جده، ومنهم من قال بالمدينة في هجرته ودار أنصاره ، وأزواجه ومسجده حتى نزع الخلاف أعلم الناس في الأرض بعد رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ من أمته أبو بكر فقال: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يقول: ، فدفن رسول في البقعة التي توفي فيها في حجرة عائشة .
ثم حدث ما حدث من خلاف بين أصحاب رس: (( يدفن الأنبياء حيث يقبضون ) ).
ول الله _ صلى الله عليه وسلم _ وكان أول خلاف بعد ذلك من يلي الخلافة بعد رسول الله ولكنه أمر يسير ، فقال الأنصار ببيعة سعد بن عبادة الخزرجي، وقام القرشيون بقول الرسول _ صلى الله عليه وسلم _"الأئمة من قريش [19] "فَنُزِعَ الخلاف بقول رسول الله، واجتمعت كلمة الأمة بكلامه والعلم بالوحي.
ثم حدث ما حدث حينما ارتد من ارتد من العرب ، وخالف عمر بن الخطاب أمير المؤمنين أبا بكر في قتالهم ، حتى سمعه يحدث عن رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ قوله (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤدوا الصلاة ، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها ) ).
فأذعن عمر للحق لكلام رسول الله، فقام خير أهل الأرض ، وأعلمهم بالله أبو بكر، قال سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ يقول: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ويؤدوا الصلاة ، فإن فعلوا ذلك فقد عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها [20] ) ).
ثم ما حدث من الخلاف في إرث رسول الله وحسم الأمر أبو بكر بقوله: سمعت رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ (( نحن معاشر الأنبياء لا نورَث ما تركناه فهو صدقة [21] ) ).