الصفحة 2165 من 3812

خلاف يسير سَهُلَ دَحضُهُ بالعلم من العلماء العارفين ، ولذلك كان أصحاب رسول الله أمنة لهذه الأمة ، وذلك لما نالوه من العلم بالوحي .

ثم اجتمعوا بعد ما حدث من أمر يسير على قتال المرتدين من مَنْعِ الزكاة [22] .

ثم اشتغلوا بقتال طُلَيْحَة حينما تنبئ حتى انهزم إلى الشام ورجع إلى الإسلام في خلافة عمر بن الخطاب وشهد مع سعد بن أبي وقاص نهاوند والقادسية وقتل في نهاوند.

ثم اشتغلوا بقتال مسيلمة وسجاح والأسود العنسي ثم بسائر المرتدين.

ثم اشتغلوا بقتال الروم والعجم وغيرهم ، فقد كان أصحاب رسول الله على قول واحد في التوحيد والعدل والوعد والوعيد وإنما خلافهم في الفروع كميراث الجد مع الأخوة ، والعول والكلالة وغير ذلك ما أمره يسير ، وذلك مصداقا لكلام رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ (( أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون [23] ) )

ولذلك بقي أصحاب رسول الله على كلمة سواء ينزع فتيل الخلاف من أول وهلة بقيام العلماء بواجبهم بيان الحق ، و الصدع به ودحض أهل الشر بالدلائل من الكتاب والسنة، وبقوا على ذلك في خلافة أبي بكر وخلافة عمر وست من خلافة عثمان رضي الله عنه حتى نَقِمَ عليه من نَقِم وقتله ظالموه ، ونشبت في أواخر عصره بين أصحاب رسول الله فرقة .

وما حدث مع على ابن أبي رضي الله عنه من واقعة الجمل ومعاوية وصِفِّين ، وحَكَمِ الحَكَمَين وغير ذلك من تبعاتها حتى ظهرت في أواخر عهد أصحاب رسول الله في عهد عبد الله بن عمر ، ظهرت بدعة القدرية، أحدثوا القول بالقدر والاستطاعة .

وكذلك في عهد التابعين ، في عهد الحسن البصري ظهرت بدعة الاعتزال وظهر واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد ، وأظهروا بدعة الاعتزال وهذا مصداق لكلام رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ (( وأصحابي أمنة لأمتي ، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون ) ).

وقد كان الصحابة على كلمة سواء في العدل والتوحيد والوعد والوعيد حتى بَعُدَ الناس عن العلم شيئا فشيئا وابتعدوا عن منهل العلم ، ووقع الخلاف والفِرقة ولما قَصَّرَ العلماء في واجبهم ظهر الشر والفساد في الأرض وظهر الجُهَّال مكان العلماء ، فيضلون الناس بقولهم وبُعْدِهِم عن كلام الله ولذلك يقول النبي _ صلى الله عليه وسلم _ (( حتى إذا لم يُبْقِ عالما اتخذ الناس رؤسًا جهالًا ، فسئلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) )

العلماء هم حملة الأمانة ، ومن أخذ الله عليهم الميثاق ، ثوابهم وافر مدرار ،وحسابهم شديد عسير قال الله (( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ) ) [ آل عمران: 187 ] .

فامتدح الله من وفى بعهده وميثاقه ممن وفى منهم فقال الله - جل وعلا - (( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ) ) [الرعد: 20] .

وحذر الله من مخالفة أمره و تَنَكُّبِ الدليل مع ظهوره ، ولذلك أمر الله بالرجوع إلى العلماء لأنهم إن خالفوا كانوا أشد الناس عذابًا عند الله ، فقد أخذ الله عليهم الميثاق.

يقول قتادة كما روى ابن جرير الطبري في تفسيره [24] قال: « هذا ميثاق الله أخذه على أهل العلم ، فمن عَلِمَ شيئا فَلْيُعَلِّمْهُ وإياكم وكِتْمَان العلم ، فإن كِتْمَان العلم هَلَكَة"."

فإن فَرَّطَ أهل العلم بالبلاغ والقيام بميثاق الله فعلى الأمة العفى والدمار.

فَفُتْيَا العالِم بغير ما يَعَلم كذب على الله، قال الله - سبحانه وتعالى - [الزمر: 60] فالفتوى بغير علم كذب فمتى فرط العلماء في بيان مهمات الأ

(( يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ) ) (آل عمران:106) .

وما يتعلق بمصيرها ونهضتها ، وجعلوا الحديث للرعاع إلا ضلت الأمة ، وانحرفت عن مسيرها

ومن نظر إلى حال المسلمين في الأندلس وحال علمائها لما انشغل علمائها بالجزئيات عن الكليات وانشغلوا عن الأصول بالفروع وتركوا أصول الأمة التي هي بحاجة إلى غرسها في النفوس سقطت بلاد المسلمين ، وقد ذكر بعض علماء المغرب"أنه لما كان الاستعمار قد أتى إلى بلاد الشام قبل عقود كان العلماء منشغلين بالفروع وبالجزيئات وبالاختلاف وبالفرقة والمستعمر على مشارف بلادهم ، حتى ذكر أحد علماء المغرب قال: حينما قدمت الشام والاستعمار على بلادهم قال: دخلت مجلسًا من مجالس أهل العلم ، فإذا هم يتدارسون المرأة حينما يخرج لها لحية هل يجوز أن تحلقها أم لا؟ حتى حل عليهم الدمار والوبال وفرطوا فيما أمر الله بأخذه والقيام به ، فحل ببلاد المسلمين ودمائهم وأعراضهم ودينهم ما حل."

وقد جعل الله العلماء هم الدلالة إلى الحق ، والدلالة إلى الصواب ، وجعل لهم في سبيل ذلك الأذى لتعلوا منزلتهم عنده، ولذلك يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (( العلماء ورثة الأنبياء [25] ) ).

الأنبياء ورثوا العلم من أخذه أخذ بحظ وافر ، وورثوا أيضا تبعاته ومن تبعاته ما يحصل للعلماء من أذية وابتلاء وامتحان والوقيعة في أعراضهم.

وقد حذر الله من عدم القيام بالحق وبيان الخير للناس وتحذيرهم من الشر وحذر الله من سلوك طريقة بني إسرائيل من كتمانهم للحق ولبسهم الحق بالباطل ولذلك قال الله - جل وعلا - (( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [آل عمران:71]

وقال: (( وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَوَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) ) [البقرة: 42] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت