فهرس الكتاب
وحذر الله من كتمان البينات التي أنزلها الله على نبيه للناس عامة فقال: (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) ) [البقرة: 159] .
قال القرطبي - رحمه الله تعالى: في تفسير هذه الآية [26] « أخبر الله أن من كتم الحق بعد ظهوره وبيانه عنده أنه ملعون بلعنة الله ، ولعنة اللاعنين وهم الملائكة » .
إذًا فالله قد أخذ على من أوتي علمًا ولو كان يسيرًا أن يجعل له الرفعة في الدنيا والآخرة ومقابل ذلك ضريبة عظيمة إن فرط فيما أمر الله به ، وإن حصل له ما حصل من السفهاء من التنقص والوقيعة في الأعراض، ولذلك كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ إمام الناس في ذلك .
والعلماء الحق هم الذين يخشون الله عز وجل في ذلك ويخشون الله _ عز وجل _ في قولهم وفعلهم.
فبين الله أن من أعظم سماتهم وعلاماتهم هو خشيته فقال سبحانه: (( يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [ فاطر: 28] .
ولما اختلف أصحاب رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ في بعض الأحكام كان قدوتهم هو أخشى الناس لله رسول الله فقال بعضهم: لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر ، فقال رسول الله _ صلى الله عليه وسلم - (( إني أعلمكم بالله ، وأخشاكم وأتقاكم له لأنا [27] ) )لم ؟ .
لأنه كان هو صاحب الوحي المُنَزَّل فهو أعلم الناس وأخشاهم لله .
وقد علل رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ كونه أعلم الناس ، أنه أخشاهم لله فهذا هو الأصل أن يكون العلماء هم أخشى الناس لله ، وذلك لأنهم أعلم الناس بوحي الله ، وكُلَّمَا كان الإنسان عالمًا بالله عالمًا بوحيه من كتاب وسنه يلزم من ذلك ظِمْنًا أن يكون أخشى الناس لله ، تعبدًا وامتثالًا لأمره .
روى الإمام مالك في الموطأ [28] من حديث معاذ بن جبل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم _ قال:"إنما العلم الخشية". ومن علامة أهل العلم خشية الله ، وإكثار العمل والتعبد لله ، وذلك هو الفيصل بين أهل الزيف والحق .
وقد جعل الله العلم الحق فيمن يخشاه فقال: (إنما يخشى الله من عباده العلماء) .
والعلم الذي لا يدل الإنسان إلى الخشية، ولا يدله على عبادة الله ولا يدله على الخير، ويقربه من الله ويبعده عن زخارف الدنيا التي لا تنفع فإن هذا ليس بعلم، بل أنه جهل يضر الإنسان ولا ينفعه .
وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلم الناس بالله ، وكان أصحابه من بعده كذلك ، العالمون بما لديهم من علم هم أقرب الناس إلى الصواب .
ولما حضرت الإمام أحمد رحمه الله الوفاة كما ذكر القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات [29] قال: جاء إليه أحد من أصحابه فقال: أدع الله أن يخلفنا فيك خيرًا، فمن تدلنا أن نسأله بعدك؟ ، قال: سلوا عبد الوهاب فقال رجل من حضر مجلسه: إنه قليل البسطة في العلم فقال: إنه رجل صالح فمثله يوفق للصواب.
وقد حذر الله ممن يقوم بأمر الله بقوله، ويجتنبه بفعله - وجعل ذلك علامة على عدم خشية الله ، وذلك أن الله - عز وجل _ يقول: (( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) ) [البقرة: 44 ] .
وقال الله: (( لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ) ) [الصف: 2] .
حذر الله من أن يقول الإنسان بلسانه ما لا يفعله ، فالعلماء الحق هم الذين يخافون الله .
ذكر القاضي ابن أبي يعلى في الطبقات قال: ذُكِرَ في مجلس أحمد بن حنبل: معروف الكرخي: فقال بعض من حضر هو قصير العلم: فقال الإمام أحمد أمسك عافاك الله، وهل يراد من العلم إلا ما وصل إليه معروف.
فيعرف العلماء الحق بالعبادة والعمل، واجتناب المحرمات والتقلل من الدنيا .
ولذلك يقول الإمام أحمد: « سمعت سفيان بن عيينة يقول: ما ازداد الرجل علمًا فازداد من الدنيا قربا إلا ازداد من الله بعدًا » .
وهذا هو الميزان في معرفة أهل العلم الحق ، حملة الميثاق الصادقون القائمون بأمر الله ، وهذا هو الميزان العدل ، فإن الإنسان بعلمه خصيم نفسه، فإذا رأى الإنسان أنه كلما ازداد من العلم قرب من الدنيا وقل من العبادة والعمل فإن ذلك علامة بينة للخسارة وعدم التوفيق وعدم الإخلاص.
ولذلك يجب على الإنسان إن كان من أهل العلم ، أو تحصل له علم يسير أن ينظر إلى عمله بما علم فالعبرة إذًا بالعمل بما علمه من كلام الله لا بآراء الناس ولا الالتفات إليها ولا الركون إليها.
يقول الفضيل بن عياض رحمه الله: « علامة الزهد في الدنيا وفي الناس أن لا تحب ثناء الناس عليك ولا تبالي بمذمتهم ، وإن قدرت ألا تعرف فافعل ولا عليك ألا تعرف ، وما عليك ألا يثنى عليك ، ومع عليك أن تكون مذموما عند الناس إن كنت محمودًا عند الله [30] » .
ومن أحب ألا يُذكر ذُكِر ، ولذلك كان العلماء كلما ما ابتعدوا عن قول الناس وحب مدحهم كلما رفعهم الله وكلما اقتربوا إلى حب الناس ومدحهم كلما أبعدهم الله ، وأخمل ذكرهم وجعلهم في الأسفلين وكم من الناس منزوي في داره لكنه من أهل الخشية والعبادة لله، فرفع الله ذكره وأعلى شأنه ، وهذا مصداق كلام الله: (( يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ) ) [فاطر: 28 ] .
وقد حذر الله مما يحول بين أهل العلم وبين قول الحق ، والقيام بأمر الله وحذر من ذلك أشد تحذير .