فهرس الكتاب
فما من أحد يسلم من قول الناس ونقدهم، وإذًا ما بقي إلا اتباع الحق والقول به والإعراض عن النقد مادام الطريق نزيهًا واضحًا، ولذلك. يقول أبو مسلم الخولاني:"كان الناس أوراق لا شوك فيه ، وهم اليوم شوك لا أوراق فيه ، إن سَبَبْتَهُم سَبُّوك وإن ناقدتهم نقدوك ، وإن تركتهم لم يتركوك ، وإن فررت منهم أدركوك، فقال له رجل كيف أصنع ؟ قال: أعط من عرضك ليوم فقرك"أي سلمهم عرضك ما دمت تقوم بالحق، أعطهم من ذلك ليوم فقرك، حينما يجتمع الخصوم عند الله ، فتكون فقيرًا تحتاج إلى شيء يسير، يأتي إليك الغنى من أقوالهم وذمهم وطعنهم في عرضك ، فَتُرْفَعُ عند الله منزله كما قال _ عليه الصلاة والسلام _ (( يخرج المؤمنون من النار، فيوقفون على قنظرة بين الجنة والنار ، فيقتصون حقوقًا كانت بينهم [34] ) ).
ولذلك أُمِرَ أهل الحق وأهل العلم ، قَلَّ العلم عندهم أو كثر ألا يراقبوا إلا لله في قولهم وفعلهم فإنهم إن راقبوا الله نصرهم الله في الدنيا ونصرهم وآمنهم يوم الفزع الأكبر.
* ومن العقبات التي تحول دون القيام بأمر الله: النظر إلى أهل الحظوة والهيئات والطمع فيما عندهم أو خشية فوات الرفعة والمكانة إن قال العالم بما يعلم ، ولذلك كان رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ لما بُعِثَ في قريش كان منهم الأشراف ومنهم أصحاب السيادة وأصحاب الشرف ، فلم يلتفت إلى شرف ولم يلتفت إلى سيادة وإنما التفت إلى الواجب فرفعه الله به وأمره أن يعرض عن كل مشرك ظالم وما لديه من حظوة، قال الله _ عز وجل _ له
(( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ) [الحجر: 94 ، 95] .
ولذلك قَسم الله - عز وجل - من يعارضون كلامه إلى صنفين:
1-كفار كفروا بما حمله رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ من الحق والصدق من وحي الله، فكذبوا وأعرضوا.
2-ومستهزئون أضافوا إلى كفرهم استهزاءًا بكلام رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ فتنقصوا وعيروا وسبوا وهددوا،
فأمر الله نبيه ألا يراقب إلا الله (( فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ _ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ) ) [الحجر: 94، 95] .
ومن أعظم ما يصد الإنسان عن اتباع الحق وسلوكه هو ما لديه من حظوة ورفعه وسيادة عند الناس يخشى فواتها ولذلك كفار قريش ما اعرضوا عن اتباع محمد _ صلى الله عليه وسلم _ إلا لما كان لديهم من حظوة وسيادة وخوف من العار وسقوط، ما لديهم من حظوة في الأرض يظنونها، مع أنهم رأوا الحق بأعينهم فأحجموا عن القول به، قال الله عنهم: (( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) ) [النمل: 14] . جحدوا باتباع محمد والبوح بما لديه من الحق (( وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ) ) [النمل: 14] .
ولذلك أبو طالب وهو أقل الناس عذابًا يوم القيامة قد صَدَّقَ بمحمد _ صلى الله عليه وسلم _ بقلبه ولكنه كفر بلسانه لأنه يخشى العار والشنار بزعمه ، ويخشى فوات الحظوة ويخشى السقوط عند الناس مع أنه قد صَدَّقَ بمحمد _ صلى الله عليه وسلم _ ويعلم بقلبه أنا قد جاء بدين الحق، ولذلك قال في قصيدته المشهورة [35] في مدح رسول الله _ صلى الله عليه وسلم:
والله لن يصلوا إليك ( أي يا محمد ) .
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غظاظة وأبشر بذاك وقر بذاك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك صادق ولقد صدقت ولقد كنت ثم أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني ساع بذاك يقينا
لما ؟ خشية العار والمسبة والوقيعة في العرض وخوف فوت السيادة فأسخط الله وأسخط النبي _ صلى الله عليه وسلم _ فبقى ذكره مضرب مثل للناس أنه أقل الناس عذابًا يوم القيامة.
وكان رسول الله عنده يقول له: (( قل لا إله إلا الله ) )فنظر إلى هذه الكلمة وهذا الحق ، دعاه إليه الرسول _ صلى الله عليه وسلم _ وهو يعلم بقلبه أنه الحق فنظر إلى السيادة والهيئة والرفعة ومدح الناس وخشية سبهم وعارهم فقال: (( والله لولا خشية أن تعيرني بها قريش لأقررت بها عينك [36] ) ).
فقال - ومات على ذلك-: هو على ملة عبد المطلب.
ولذلك كان رؤوس الكفر والضلال في هذه الأرض باقون على كفرهم رغبة بالحظوة والهيئة والرفعة عند الناس، والسيادة وهذا فرعون لما أدركه الغرق وهو يعلم أن الله واحد لا إله إلا هو ، وكان قد ظن أن سيادته لا تبقى إلا بالكفر وإدعاء الربوبية ، وغابت عنه تلك الحقيقة الكونية والحقيقة الشرعية أن الله يرفع الذين أمنوا القائمين بالحق في هذه الدنيا والآخرة ، فلما أدركه الغرق تلاشت تلك الحظوظ وتمزق نورها المزيف في عينيه واستحال إلى ظلام دامس احتاج إلى الرفعة ونظر بنظرة متجردة فقال: (( آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ) ) [يونس: 90] .
وتوبة الله تدرك العبد ما لم يغر غر .
روى الإمام الترمذي [37] وغيره من حديث عدي بن ثابت وعطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس مرفوعًا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: (( قال لي جبريل قال: لقد رأيتني يا محمد وإني آخذ من حال البحر فأدسه في فم فرعون مخافة أن تدركه الرحمة ) ).
ومن نظر إلى هرقل وكسرى وحال هرقل لما جاءه أبو سفيان [38] وعرض عليه ما عنده عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخشي من اتباعه وخشي فوت الرئاسة والحظوة فمنعه ذلك من الإيمان بالله.