فهرس الكتاب
ولذلك من أعظم ما يحول بين الإنسان وبين القيام بالحق على اختلاف حال الإنسان سواء كان كافرًا أو مؤمنًا جاهل عاصيًا أو عالمًا أياًّ كان هو حب الحظوة والنظر إلى حال الناس والرفعة والتمكين ويغيب عنه أن الرفعة والتمكين هي بقول الحق وبتأمل يسير لسنن الله الكونية والشرعية يظهر ذلك جليًا عند من جعل الله له بصيرة وانقاد لا تباع الحق فكم من الناس طاشت سهامهم يلتمسوا أقوال الناس ورضاهم ولكن جعل الله _ عز وجل _ ذلك سُخْطَةً عليه وأسخط عليه الناس لأنه ما أرضى الله بل أرضى الناس فسخط الله عليه وأسخط عليه الناس.
ومن الواجب على من أراد الحق وأراد إتباع سبيل إمام العلماء سيد الأنبياء ، فلينظر إلى حقيقة الميزان الذي ورثه، فالعلماء هم ورثة الأنبياء فعليهم اتباعه في سبيله والنظر إلى حاله ولْيُعْلَم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كما أنه وَرَّثَ العلم ورث كذلك تبعاته ، فإن العلماء يرثون العلم ويرثون تبعاته، وتبعاته كثيرة الرفعة في الدنيا والآخرة والابتلاء في الدنيا .
ولذلك من أعظم ما ينبغي لأهل العلم والمعرفة وطلاب العلم أن يصونوا العلم ليصونهم فلا يطلبوا به حظوة ولا يطلبوا به مدحًا ولا يخافوا به ذما، فإن ترقبوا شيئًا من ذلك أسقطهم الله بسيئ عملهم ، ومن صان العلم من أهل العلم صانهم ورفعهم ومن لم يصن العلم لم يصنهم الله، ولذلك يقول الفضيل:"لو أن أهل العلم شحوا على دينهم ، وأكرموا العلم وصانوه، وأنزلوه حيث أنزله الله ، لخضعت لهم رقاب الجبابرة وانقاد لهم الناس، ولو اشتغلوا بما يعنيهم لعز الإسلام وأهله ، لكنهم استذلوا أنفسهم ولم يبالوا بما نقص من دينهم إذا سلمت لهم دنياهم ، وبذلوا علمهم لأبناء الدنيا ليصيبوا ما في أيديهم ، فذلوا وهانوا على الناس."
وقد حذر الله من الركون إلى شهوات الناس ومطامعهم وحب إرضائهم، وجعل الله الفيصل بين العالم الحق وغيره هو الميل مع ذلك أو مع كلام الله.
فمن مال مع كلام الله ارتفع ومن مال مع كلام الناس وشهواتهم وأقوالهم وأرائهم وحبهم وُضِع.
ولذلك يقول سفيان ابن عيينة:"ما ازداد الرجل علمًا فازداد من الدنيا قربًا إلا ازداد من الله بعدًا"وهذا هو الميزان .
ومن أعظم ما يجعل الإنسان قائما بالحق آمرًا بالخير ناهيًا عن الشر ، إلا يجعل لأحد من أهل الدنيا عليه مِنَّة خاصة من أهل الضلالة والغواية وأهل السيادة والمال والجاه ومعلوم أن الغَلَبَة في أهل الجاه أنهم على غير هداية تامة ، ولذلك قال الله: (( وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ) ) [الإسراء:16] .
ولذلك كان العَالِمُ الحق لا يسأل أحدًا من الناس يكون بسؤاله ذلك عليه مِنَّة، ولا يُحَابي بقوله أحدًا ولا يجامله.
ولازال أهل العلم من السلف والخلف يحذرون من أن تُغْشَى مجالس أهل العلم الرئاسة والسيادة إلا بالنصح والإرشاد والدلالة مع الصبر على الأذى.
ولذلك يقول الإمام مالك:"أدركت بضعة عشر رجلًا من التابعين، يقولون لا تأتوهم"، لأن النفوس تتشوف إلى الدنيا وتركن إليها ، فيغلب على الإنسان ترك الحق ، ويغلب على قلبه التساهل بالقيام بالحق ، بل ربما الإغضاء عن بعض المسائل الظاهرة الجلية ، طلبًا لمصلحة تُزْعَم ونحو ذلك.
فالعلماء ليسوا كغيرهم من سواد الناس، فقد يغلب على أحد من الناس مطمع من الدنيا ويركن إليه، لا يؤخذ بقوله إن قال في دين الله شيئًا.
ومن نظر إلى فطرة الإنسان، وجدها ميالة للهوى، ولننظر إلى حاله على اختلاف ديانته، وملته، وعرقه سواء كان كافرًا أو مسلمًا أعجميًا أم عربيًا حاله مع الرئاسة والوجاهة وحالة قبل توليها وبعد تجرده منها، فإنه قبل الرئاسة أصوب بالنظر له، وتقييم الأمور ومعرفة الحق من الباطل وتمييزه والفيصل فيه.
فحينما يأتي إلى ما هو من السيادة والحظوة في الناس يضطرب ويطيش وتطيش سهامه هنا وهناك، وحينما يدعها وراءه سواءً كان مكرهًا أو راغبًا فإنه يرجع إلى ما كان عليه قبلها سواءً كانت الرئاسة في كفر أو في إيمان، رئاسة في دين أو في دنيا، وهذا معلوم في أحوال الناس ولذلك من نظر إلى حال أهل السيادة حتى في الغرب الكافر حينما يتولى الإنسان عن منصبه سواء بالعزل أو الرغبة ، يطيش فكره ولسانه سبًا وطعنا لما كان عليه، ويقول ما كان يحجم عنه قبل ذلك لأنه قد انتهت من قلبه تلك العلائق، وأخذ يقول قولًا لم يكن يقوله في السابق فرجع إلى ما كان عليه، فتجرد من الحظوة والنظر إلى حال الناس وعاد إلى ما كان عليه.
والإنسان لا يقال أنه يدع الدنيا والمتعة فيها بإطلاق ولكنه ليعلم أن في الغالب أن الركون إلى مثل ذلك يملك القلب ويأسره ويجعل الإنسان وخاصة أهل العلم بين أمرين لا ثالث لهما:
أحدهما: إما أن ينقلب الميزان لديه ، فيرى الباطل حقًا ولا يرى الحق إلا باطلًا ويلتمس الأعذار يمنة ويسرة ، وتغيب عن قلبه خشية الله ، والقيام بأمره وكل ذلك لو تأمله بتدبر سببه الحظوة والنظر إلى المال والجاه.
والحالة الثانية: أن يعرف الحق من الباطل، لكنه يُهَوِّنُ من جانب الحق أو يجعله أمرًا مرجوحًا ينبغي ألا يصار إليه، وإن أحسن الظن فيه يرى أن اجتماع الناس على قول مرجوح خير من الافتراق على قول راجح.