الصفحة 2170 من 3812

وهذه قاعدة قد عمل بها أئمة الإسلام ولكنهم لم يطلقوها في كل حال ، فالنصوص الصريحة من الوحي والأدلة الظاهرة المحكمة لا تُضرب بالمصالح، فالافتراق على تقرير أصول الإسلام خير من الألفة على نقيضها، إن كان ثمة أُلْفَةٌ تحصل ، لا تكون إلا بالوحي ، وباتباعه واتباع الدليل والنظر فيه واتباع كلام رسول الله _ صلى الله عليه وسلم - .

فلا تضرب النصوص الظاهرة المحكمة بما يسمى بالمصالح ، أو جمع كلمة الناس ، وإذا كان الدليل ظاهرًا محكمًا ولا ثمة مفسدة هي أعظم منه، قد حذر الشارع من ارتكابها، ارتكابا ينقض أصلًا فإنه حينئذ لا مصير إلا بقول الحق ، فإنه لا مصلحة إلا هو.

فاستصحاب الأصل أو الاستحسان أو المصلحة ليست مُسَوِّغًا لتنكب الدليل الواضح وإتباع الباطل أو الاستدلال بالقول أن اجتماع الناس على قول مرجوح ، خير من افتراقهم على قول راجح ، فيقال أن ذلك حينما يكون الخلاف سائغًا وحينما يكون الدليل ظاهرًا، وثمة قوم من السلف لهم دليل في هذه المسألة قد يصار إلى قول مرجوح وترك القول الراجح.

أما أن يكون القول المخالف باطلًا فلا يحل لأحد أن يجمع كلمة الناس على قول باطل ، فلابد من قول الحق وإن دق، فبي هذه التسويغات تطمس الشريعة ويثلم الإسلام، وحينئذ فالعفاء على الأمة وعلى الإسلام .

ومع هذا كله يجب على الناس عامة تعظيم أهل العلم ، وأن يلتمسوا لهم العذر وما دام لهم سلف في أقوالهم ، وليحذروا من الوقيعة في أعراضهم، فإن لحوم العلماء مسمومة فهم ورثة الأنبياء ما دام أنهم على دليل وأثر من الكتاب والسنة ، والطعن فيهم طعن فيما يحملونه في الغالب.

فإذا كان للرجل سلف من الصحابة والتابعين فهو على أثر.

ولذلك يقول ابن القيم:"إن رأيت الله ورسوله في صف، فعليك بصف الله ورسوله، وإن رأيت الناس كلهم في صف آخر".

وإن جمع العالم كلمة الناس على قول مرجوح يعتقد عدم رجحانه وغيره هو الراجح عنده فهو على صواب وهداية وحق إن أخلص لله _ سبحانه وتعالى-، ما دام أن الجمع لا يكون إلا عليه، وإن كان يعتقد أنه مرجوحًا، وقد حكي جواز ذلك عن غير واحد من الأئمة كالإمام الشافعي والإمام أحمد ، وحكاه ابن رجب عن غير واحد من السلف، ولذلك ينبغي لأهل العلم أن يلتمسوا العذر لبعضهم ما دام أنهم على دليل وأثر من الكتاب والسنة وعلى قول من السلف.

فائتلاف الأمة مقصد عظيم جليل وترك السنن وترك بعض الواجبات مما لا يستلزم من ذلك إثما عظيم ، أو نقضًا الأصل ، أو تبديلا لمعالم الإسلام وأصوله فَيُظَنُّ بذلك الترك تبديلا أو تحليلا لما حرم الله أو تحريما لما أحل الله وذلك لمقصد ائتلاف الناس فهذا مقصد شرعي.

ولهذا حث الله على اجتماع كلمة الناس وتآلفهم وقد أشار إلى هذا المعنى غير واحد من العلماء كابن تيميه، ولذلك كان ابن مسعود رضي الله عنه لما صلى خلف عثمان تمامًا ، وقيل له في ذلك أنه يخالف رأيك ، فقال « الخلاف شر [39] » وكان يرى قصر الصلاة ركعتين ، فاقتدى بمن خالفه لأن ذلك يلزم منه الخلاف والفتنة، وكذلك فإن من قَصُرَ به العلم والنظر فعليه أن يلتمس العذر لأهل العلم والمعرفة ، فأهل العلم أصحاب نظر لكلام الله وكلام رسول الله، لا يلتمسون أذواق الناس ورضاهم وإنما يلتمسون رضا الله، فليس كل ما لا يروق للإنسان يقدح في قائله، فالناس رضاهم غاية لا تدرك

يقول الإمام الشافعي رحمه الله:"رضي الناس غاية لا تدرك، فعليك بما يصلح نفسك".

إرضاء الناس محال ، ومن تبع ذلك وأراده فإنه سيؤول إلى وبال وسيخرج صِفْرَ اليدين ما لم يتبع قول الله ويقف عند حدود الله ، فإن الله يرفعه بذلك.

ولذلك توعد الله من عَلِمَ الحق وَتَنَكَّبَهُ وقال بغيره ويعلم أنه هو الظاهر لديه وما غيره هو الباطل، وقد جعل الله _ جل وعلا _ الرجل يأتي يوم القيامة فتندلق أقتابه في النار فيدور فيها كما يدور الحمار في الرحى ، فيقول له أهل النار: يا فلان ألم تكن تأمرنا بالمعروف ، وتنهانا عن المنكر ، قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه ، وكنت أنهاكم عن المنكر وآتيه .

قال الله معاتبًا أهل العلم: (( أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ) ) (البقرة: 44) .

وأخبر رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ كما في الصحيح [40] قال: (( أول من تسعر بهم النار يوم القيامة _ وذكر منهم _ رجل تعلم العلم وَعَلَّمَهُ ، وقرأ القرآن فأتى الله _ عز وجل _ فَعَرَّفَهُ نِعْمَتَهُ فعرفها قال: فما عملت فيها ؟ قال: تَعَلَّمْتُ العلم وعَلَّمْتُهُ وقرأت فيك القرآن قال: كذبت ولكنك تعلمت ليقال عالم وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ، ثم أُمِرَ به فَسُحِبَ على وجهه حتى ألقي في النار ) )والعياذ بالله.

هذا لأنه قد جعل شرفًا عظيمًا في الدنيا، ينال به الإنسان الرفعة يوم القيامة ، جعله لحظوة خاصة فجعل الله منه حطبًا لجهنم ، وأنه من أول من تسعر بهم النار يوم القيامة ، لأنه خان الأمانة وضيع الميثاق الذي جُعِلَ في عُنُقِهِ لأنه به يَهْتَدي الناس وبه يتأسى .

وقد حذر الله من التفريط في ذلك ، وتوعد بالوبال والعقاب الشديد من خالف أمره ، ولذلك لما كان العقاب خطيرا شديدا على العلماء كانت نفوسهم على الأغلب أَبْعَدُ عن الوقيعة في ذلك فكانوا هم أهل القدوة والاتباع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت