الصفحة 2171 من 3812

ويجب على أهل العلم أن يقوموا ويظهروا للناس بقول الحق وَليُعْلَمَ أن البُعْدَ عن قول الحق والاختفاء به والقول به سرًا علامة وبال وظهور لأهل الباطل والجهالة ، فما يظهر الباطل إلا باختفاء الحق وأهله ، وما يظهر أهل الجهالة إلا باختفاء أهل العلم، كما قال أبو مسلم الخولاني"العلماء كالنجوم إن ظهروا اهتدى بهم الناس ، وإن اختبئوا تحيروا".

ولذلك يجب على أهل العلم ألا يضيعوا الأمانة وأن يقوموا بأمر الله فإن ضيعوا الأمانة وعملوا بغير ما أمر الله به فقد فرطوا وضيعوا .

ومما يجب الحذر منه ما يجعل كلمة حملة الميثاق هينة لدى الناس ، فلا يُسْمَعُ لهم قول ولا يُؤبَهُ لقولهم ومن ذلك أمور كثيرة منها:

1_ إنشغال أهل الميثاق بجزئيات يسيرة عن مصالح الأمة ، كالانشغال بالوعظ فقط أو التذكير فقط وإهمال جانب التفقيه والتعليم ، خاصة إذا كانت الأمة تترقب مصائب عظيمة ، أو تشتكي اندثار التوحيد من الطعن فيه، والطعن بأهل العلم ومعالم الإسلام ، وتعدي الجهال والزنادقة على توحيد الله .

ولذلك قد انطبع عند كثير من الناس ممن غلب عليهم الجهل ، أن العلم إنما هو في المساجد وأن قادة العلم يقودون الناس بالعبادة المحضة فقط، وذلك ما كان ليكون إلا لما قاد أهل العلم الناس بإمامة الصلاة وبالجُمَع ، ولم يقودوهم خارج المساجد وخارج بيوت الله ، فأهل العلم هم قادة الناس في المساجد وغيرها وفي سائر ميادين الحياة.

فدين الله يجب أن يُعْتَنَى به في سائر جوانبه ، فالله قد جعل شريعته عامة لسائر شئون الحياة ، فالإسلام هو اقتصاد وهو اجتماع ، وسياسة وأخلاق وسلوك وعقيدة وعبادة كل ذلك من دين الله لا تنفك حياة الناس عن دينه، فالنوم واليقظة والغدو والروح والذهاب والمجيء كل ذلك لا يخلو من تشريع ومن عبادة.

والأمر الثاني: العمل بما أمرهم الله به ، فإن قَلّ عمل أهل العلم بما أمرهم الله به ، قل الأخذ عنهم والتأسي بهم، ولذلك العلماء في الناس ليسوا بقدر علمهم وما يحملونه من معرفة الخلاف ومعرفة الدليل أو الحفظ ونحو ذلك ، وإنما هو العمل بما أمر الله به.

ولذلك لما سئل الإمام أحمد لما حضرته الوفاة ، من نسأل بعدك ؟ قال سلوا عبد الوهاب ، فقيل له إنه قليل البسطة في العلم ، قال إنه رجل صالح مثله يوفق إلى الحق""

وقال قولته المعروفة في معروف الكَرْخِي رحمه الله لما قيل: أنه قليل العلم"قال وهل يُرَادُ من العلم إلا ما وصل إليه معروف"

ولذا حينما يعمل العلماء بما أمرهم الله به فيمثلون القول والفعل حينئذ يتأسى بهم الناس ، ولذلك انظر إلى الناس في كل زمن وفي كل مصر ، يتجافون عن علماء ، ويقبلون على آخرين ومدار ذلك هو هذا.

ومما ينبغي أن يعلم أنه ليس كل ما يعلم من دين الله يقال، والله قد أمر بإقامة الحق وإقامة العدل ، وكذلك أمر بتحديث الناس بما تعيه عقولهم ، فتحديث العامة بدقائق العلم وبعض أحكام النوازل التي لا تعنيهم ، وبعض مسائل العلم كبعض مسائل الصفات مما لا تَعِيَهُ عقولهم لا ينبغي، بل ربما أشكل عليهم ، وأحدث عندهم الوساوس وعلى هذا فليس كل علم يقوله العالم ، فإذا أحجم عالم عن قول مسألة ما مما يُظَنُّ أنها لا تعيها عقول الناس مما لا يتعلق بها مصير الأمة ويحصل بها مفسدة ولا يقتضي ذلك تبديلا فإن ذلك مما يعذر به ، وإلا فالأصل أن الله قد أمر بتبليغ الأصول والفروع ، ولذلك قال الله مبينًا خطر الكتمان (( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ) ) (البقرة: 159) .

قال أبو هريرة « لولا آيتان في كتاب الله ما حدثكم حديثا ثم تلى تلك الآية وما بعدها » ، ويقول رسول الله _ صلى الله عليه وسلم _ كما في المسند والسنن [41] : (( من سئل علمًا فكتمه ألجمه الله _ عز وجل _ بلجام من نار يوم القيامة ) ).

وهذا هو الأصل، لكنه قد يكون لعالم عذر في إسرار شيء من العلم، لا تعيه العامة، واجتماع الناس أولى ، شريطة ألا يكون في ذلك طمس لحكم الشر ع، وليس فيه تبديل لكلام الله من تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وإخفاء ذلك لا يكون إلا لبعض الجزئيات التي ليست هي أصول الدين وكلياته ولذلك ذكر القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات أن هارون الأنطاكي قال: كنت عند الإمام أحمد _ عليه رحمة الله تعالى _ وربما أخرج إلي شيئا من أحاديث السلطان ، فيقول لي:"يا أبا جعفر هذا خيط رقبتي فانظر كيف"يعني لا تُشْهِرهُ.

وكذلك قد ذكر الخلال قال: كان الحسن أبو علي الثعلبي صاحب حظوة عند الإمام أحمد وله به أُنْسٌ شديد قال الثعلبي: كنت إذا دخلت على أحمد يقول: إني أفشي إليك ما لا أفشيه إلى ولدي ولا إلى غيره ، فأقول له: لك عندي ما قاله العباس لابنه عبد الله: إن عمر يكرمك ويقدمك فلا تفشي له سرًا، قال: فإن أمت فقد ذهب وإن أعش فلن أحدث بها عنك قال: فكان يفشي له أشياء كثيرة.

ولذلك اعتمادهم على مصلحة عظمى وهي اجتماع كلمة الأمة وتآلفهم وقربهم ما لم يضيع ذلك أصلًا من أصول الدين، ويحدث تبديلًا لشرع الله فاجتماع الأمة على قول مرجوح خير من اقترافها على قولٍ راجح ما لم يكن ذلك في الأصول العظام وكليات الدين، ولم يقتضي ذلك تبديلًا لشرع الله أو تحليل لما حرم الله أو تحريما لما أحل الله.

وهذه قاعدة مهمة ينبغي أن تُفْهَم بشروطها وقيودها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت