الصفحة 2177 من 3812

ومن هنا نجد القرآن الكريم يعرض نماذج واقعية, وأمثلة حية, تجسد ذلك المعنى الكبير, وتشوق النفوس الخيرة إلى صنائع المعروف, وبذل الإحسان للآخرين, دون منٍ أو أذى, ولقد كان أسرع الناس إلى صنائع المعروف هم أولئك الرجال العظام.

كان أسرع الناس إلى صنائع المعروف من رسل الله وأوليائه, الذين امتلأت أحاسيسهم ومشاعرهم بحاجات الآخرين, ورقت قلوبهم وأفئدتهم, لمعاناة المبتلين من عباد الله , فتحول ذلك الحق المرهف من الشعور النبيل إلى ممارسةٍ عمليةٍ وواقعٍ محسوس, يقدم من خلاله العون برحابه صدر, ويسدي المعروف بكل تفانٍ وإخلاص, هذا نبي الله موسى عليه السلام يخرج من أرض مصر، خائفًا يترقب, متوجهًا إلى بلاد مدين التي لا يعرف فيها أحدًا يهدئ روعته, ويؤنس وحشته .

ويصل موسى إلى أرض مدين بعد رحلة شاقة وعناءٍ مستمر, يصلها وقد بلغ منه الإعياء مبلغة, وأخذ منه الجهد مأخذه, يصلها بقلبٍ مرتجف, ونفسٍ خائفةٍ, وغربة مستحكمة, فيجد مجموعًا من الناس تزدحم حولها بئر من الماء يسقون, ويلفت نظره من الخلق, مشهد امرأتين تذودان غنيماتهما في معزل من الناس, فتتحرك نخوة هذا الشهم البطل, رغم تعبه, وإعيائه, وإجهاده, ويقترب منها على استحياء ما خطبكما ؟! سؤال مختصر, لا حاجة معه إلى مقدمات شيطانية, تحرك كوامن الشر في النفوس, وتؤجج فتيل الفتنة في القلوب, ما خطبكما ؟! ويأتيه الجواب على قدر السؤال دون تميع, أو انكسار قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير.

إنه ما كان ينبغي لنا أن نزاحم الرجال من أجل الماء, فيأتي علينا حياؤنا ذلك وتأباه حشمتنا ووقارنا .

فنحن ننتظر انصرافهم, وأبونا شيخ كبير, عاجز عن أداء المهمة نيابة عنَّا, وهنا يتناسى موسى عليه السلام نفسه المجهدة, وقلبه المرعوب, وجوعه وتعبه وإعياءه, ويتجاهل غربته وهمِّه وحزنه, يتجاهل ذلك كلِّه, وتدفعه نخوته وشهامته, ومروءته وطيب معدنه, إلى مدِّ يد العون, والإحسان إلى هايتك المرأتين الضعفتين, ويكفيهما معاناة الانتظار, ومشقة السقيا , فسقى لها ثم تولى إلى الظل, لم ينتظر كلمة شكر, أو عبارة ثناءٍ, فسؤاله للمرأتين كان لله, واستماعه لإجابتها كان لله, وسقيه لهما كان لله, فسقى لهما ثم تولى إلى الظل, قال رب إنِّي لما أنزلت إلي من خير فقير، إنه ينزل حاجته بربه, ويطلب المدد من خالقة الذي لا تنفذ خزائنه, ولا ينتقص ملكه, رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير, فأنا فقير إلى عطائك, محتاج إلى نعمائك, لا أنتظر من غيرك أجرًا, ولا من سواك شكراَ, وبمعنى هذا النبي الكريم يلجأ إلى ربه بعد حياة حافلة بالجهاد والدعوة, والبذل والعطاء, والإحسان للآخرين, وتتقدم الآجال وتنقضي الأيام والسنون, فتشرق على الدنيا أنوار محيا رسول الله محمد علية الصلاة والسلام, الذي كان آية في الإحسان, وبذل المعروف للآخرين, فإليك أشياء من خبره, وقطوفًا من نبأه, يبدأ عليه السلام حياته بالعظمة, يتحنث في غار حراء بعيدًا عن سخافات الجاهلية, وعبثها, وفجورها, وانحرافها, فلا يشعر إلاَّ وجبرائيل عليه السلام يفاجئه بما لم يخطر له على بال, وينبئه بآي من الذكر الحكيم, لم يسمع من قبل لها مثيلًا, فيرتجف قلبه, وترتجف بوادره, ويعود مفزوعًا مكروبًا, فيدخل على زوجه الحنون, زملوني زملوني, فتهدى خديجة رضي الله عنها من روعه, وتخفف من فزعة وهلعه, وتقسم بالله غير حانثة والله لا يخزيك الله أبدًا, إنك لتصل الرحم, وتصدق الحديث, وتحمل الكل, وتكسب المعدوم, وتقري الضيف, وتعين على نوائب الحق , تذكره بتلك الصفات الجليلة التي لازمته عليه السلام, حتى قبل أن تفيض على قلبه أنوار النبوة, وتشرق في نفسه مصابيح الرسالة حاجتها, فيقف معها بكل تواضع وسماحة نفس, وتطول وقفتها, وتمتد حاجتها, فلا يسأم ولا يمل وبجانبه عدي بن حاتم رضي الله عنه - يراقب هذا الموقف العجيب ، من رسول الله صلى الله علية وسلم, ويعجب من سعة باله, ودماثة خلقة, وعدي رجل قد جالس الملوك في قصورهم, ورأى الخدم والحشم في بلاطهم, ورأى طوابير الحجاب على أبوابهم, ورأى ذلِّ الحاجة وثقل الانتظار على أبواب السلاطين, فها له تواضع محمد عليه السلام, وطلاقة وجه, وبسطه لرعايته وقضاءه لحوائجهم, وإحسانه إليهم, ومخالطته لهم في أسواقهم, وشوارعهم دون تكلفٍ, أو ترفعٍ فهو التواضع من غير ذل, والتبسط من غير لؤم, والتعالي من غير كبرٍ, وينتقل الرسول العظيم إلى ربه قرير العين, هانئ البال, مخلفًا رجالًا ولا كل الرجال، فيتولى الصديق - رضي الله عنه - مقاليد الأمور, وتندلع فتنة المرتدين, ويمتنع الأعراب عن دفع الزكاة للخليفة المفجوع بفقد حبيبه, وقرة عينه, ويضطرب الأصحاب من هول الكارثة, وفداحة المصبية , فيضغط الصديق على أعصابه, ويحاصر مشاعرهِ وهو يواجه أعظم فتنة, ويكابد أشد المواقف وأحرجها , هموم كالجبال, وفتن كالليل, وظروف ما أقساها, فيجيش-رضي الله عنه- الجيوش لقتال المرتدين, وينفذ جيش أسامة ، المنتظر على أبواب المدينة, ويعزى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم بفقيد البشرية, وخسارة الدنيا , ورغم هذه الظروف المفزعة, والأحوال المؤسفة, يسل الصديق من بين هذا الركام الضخم، من الهموم والمشاغل قاصدًا بيت امرأةٍ عجوز في أطراف المدينة, يجلب لها شأنها, ويكنس لها بيتها, , ويصنع لها طعامها, أي رجال هؤلاء، خليفة المسلمين وقائد الأمة ورجل الأول .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت