فهرس الكتاب
لم تلهه مشاغل الخلافة وتبعاتها ، ومسئوليات الأمة ومشكلاتها, عن تفقد امرأةٍ عجوز, وتلمس حاجاتها, إنه الإحساس بالآخرين, ومتابعة الرعية عن قرب, بعيدًا عن الضجيج الإعلامي, والصخب الدعائي, إنها صنائع المعروف التي أشرب أولئك الأجداد حبها, وضربت في أعماق القلوب جذورها,"إنهم كانوا يسارعون في الخيرات, ويدعوننا رغبًا ورهبًا, وكانوا لنا خاشعين"وتمضي أيام الصديق سريعةً, وتنقضي خلافته على عجلٍ, فسيتخلف من بعده الداهية المسدد, والعبقري الفذ- عمر نوَرَ الله قبره وأجزل مثبوته .
يخرج - رضي الله عنه - ليلة يجوب شوارع المدينة يتفقد أحوال الأمة بنفسه, فيسمع امرأة تشكو قسوة الوجوه بين حيطان منزلها, وتعاني مشقة فراق بعلها المجاهد في سبيل الله, فيرق قلبه لشكواها, ويقدر حجم معاناتها, ويسرع إلى ابنته حفصه, أي بنية كم تصبر المرأة عن زوجها, فيحمر وجه تلك العفيفة الخجولة التي رباها عمر, فأحسن تربتها, وتزوجها رسول الله فأحسن عشرتها, فهي من بيت نبي, فهي تتقلب في بيوت الفضيلة, وتتعلم في حجر العفة والمروءة, فهي لم تتربى يومًا ما على أفلام العري, ومشاهد الغرام, ولم تقرأ روايات عميد الأدب العربي وأشباهه , فتشير بأصابعها الأربع ليس ذلك إلا بعد إلحاح أبيها الحريص على مصلحة رعاياه رجالًا ونساءً, فيصدر على الفور أمره العاجل إلى عماله في الثغور والأمصار, ألا يبقين جندي واحد فوق أربعة أشهر أو ستة, لقد كان بإمكان عمر أن يتجاهل شكوى تلك البائسة المحرومة, ويصم أذنيه عن أنين امرأة لا تأثير لها في مجريات الأمور, أو مع الأقل كان بالإمكان أن يمنح زوجها استثناءً دون سائر الجند, فيعود أدراجه إلى المدينة, لكن تأبى عليه نخوته, وشهامته, وعدله ومروءته أن يحابي أحدًا على حساب الآخرين, أو يميز بين أفراد الأمة الواحدة .
لأن إحساس عمر بمعاناة تلك المشتاقة لزوجها, كان ينبع من صميم ضميره, وينطلق من شغاف قلبه, ولم يكن صنعه للمعروف نزوة طارئة, أو تصرفًا طائشًا , ويصبح عمرو بن عبد العزيز ذات يوم وقد حمل إليه البريد برقية عاجلة من أرض مصر, لم يكتب البرقية أميرٌ من أُمرائه ينبئه عن أحوال الإمارة, وأخبار السياسة, ولم يكتب البرقية قائدٌ من قواده يخبره عن أنباء الفتوح, واحتياجات الجيوش, وإنما كانت البرقية فرتونه, أتردون من هي فرتونه ؟ أمة بسيطة أُعتقت, يفتح عمر البرقية فإذا بها تقول: من فرتونه إلى عمر أمير المؤمنين, لقد تحطم حائط دجاجي, فالغلماء يعدون على الدجاج ويسرقونه فالعجل العجل , أنقذ دجاجي , أنقذ دجاجي, فماذا تراه يصنع عمر أمام هذا المطلب العجيب, وهذا الخليفة الذي مازالت جيوشه تعيد صياغة خريطة العالم من جديد, بفضل الفتوحات المذهلة , يا عمر، العجل العجل, فالغلمان يعدون على دجاجي يسرقونها, لقد كانت امرأة بسيطة في اهتماماتها قروية في حاجاتها, لم تتعدى همومها مسافة الجدار المحيط بدجاجها, ولم تدرك بعد تلك المشاغل المتعددة, والمسئوليات الجسام, التي كانت تستنفذ وقت الخليفة, وتستهلك طاقته ورغم ذلك يكتب عمر، إلى عامله في مصر, أن أسرع ببناء جدار"فرتونه,"فإن الغلمان يعدون على دجاجها فيسرقونه,
بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم ونفعني وأيا كم بالذكر الحكيم .واستغفر بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وأيَّا كم بالذكرِ الحكيم، واستغفر الله لي ولكم إنَّهُ هو الغفورُ الرحيم .
الخطبة الثانية
الحمد لله يُعطي ويمنع, ويخفضُ ويرفع, ويضرُ وينفع, ألا إلى اللهِ تصيرُ الأمور. وأُصلي وأسلمُ على الرحمةِ المهداة, والنعمةِ المُسداة, وعلى آلهِ وأصحابه والتابعين .
أما بعد أيها المسلمون:
فإننا معاشر المسلمين بحاجة جد ماسة, إلى تلمس احتياجات الآخرين, ومِّد يد العون للمحتاجين، والمسابقة إلى صنائع المعروف دون مَنٍ أو أذى, ودون انتظار لشكرٍ, أو ثناء, أو حتى دعاء فقد كانت عائشة - رضي الله عنها - إذا أرسلت إلى قوم بصدقة, تقول: لمن أرسلته بها اسمع ما يد عون به لنا ، حتى ندعو لهم بمثله, ويبقى أجرنا على الله, وهي تفضل ذلك لأنها إنما أسدت المعروف لوجه الله, لا تريد جزاء ولا شكورًا .
قال شيخ الإسلام: في فتاويه ومن الجزاء أن يطلب الدعاء .
أيها المسلمون: إن في مجتمعات المسلمين اليوم أسرًا يدكها الفقر دكًا, يئن أطفالها من الجوع, و يقضُّ مضاجعها طرقات صاحب البيت ، يطلب الإيجار، فمن لهؤلاء بعد الله ؟! وإن في بيوت المسلمين, الأرملة البائسة, والعجوز اليائسة, واليتيم الحزين, والمعقد المحروم, فمن يقضي حوائجهم, ومن يلتفت إليهم ابتغاء مرضاة الله, هل أدرك المتسابقون في الدعوة إلى الله أن مجال الدعوة ليس متوقفًا على الشريط والكتاب, والنشرة والموعظة, ولكنها ممتدة الجوانب, فسيحة الأرجاء, مترامية الأطراف, وأن من لا يمكن دعوته بالموعظة المؤثرة والنصيحة المعبرة, قد يستجيب بالابتسامة المشرقة, والكلمة الطيبة, والإحسان إليه, وخدمته في نفسه, وولده.