الصفحة 2189 من 3812

نحمد الله سبحانه وتعالى على أن خصنا وأكرمنا وميزنا بهذه النعم التي حرم كثيرا من خلقه منها نعمة الإسلام، ونعمة الإيمان، ونعمة المساجد، ونعمة الصلاة، ونعمة الأذكار ونعمة العلم، نعم لا تعد ولا تحصى، قال تعالى: (( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ) [إبراهيم:34] .

ليس سوءا عبد موفق للصالحات، مستحضر ذنبه، مستغفر لجرمه، ذاكر ربه عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، يسير بخطًا حثيثة إلى جنة الله، إلى رضوانه وعظيم امتنانه، ليس هذا سوءا ومن مثله في الظلمات ليس بخارج منها، يتردى ويتخبط في مزالق الهوى وفي مهاوي الردى، ينحرف وينجرف، يستجيب لكل ناعق وداع، قال تعالى: (( وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ ) ) [البقرة:171] .

يسير إلى جهنم والعياذ بالله، وما أكثر هؤلاء البشر الذين هم على غير الجادة، وعلى غير الهدى والصراط المستقيم، إنهم المغضوب عليهم والضالون.

فيا عبد الله مهما تفكرت في هذه النعمة، ومهما شكرتها فإنك لا توفيها حق إفائها، ولا تقدرها حق قدرها، وإذا شكرت الله عليها فهذه نعمة أخرى، تستحق منك أن تشكره على أن وفقك للشكر، ووفقك للعبادة والذكر، وقد حرم كثيرا من خلقه منها.

إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له وفي أمثالها يجب الشكر

فحقي إذًا أن أبرح الدهر شاكرا وإن طالت الأيام واتصل العمر

إذا مس بالسراء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر

وما منهما إلا له فيه حكمة بها ضاقت الأوهام والبر والبحر

نعمة العمر

التي لا يشعر بها إلا من فقدها، بعضا أو كلًا، بموت مجهز، أو فقر منسيا، أو هرم مفند، فإذا أطبق على الإنسان قبره، وأهيل عليه ترابه، فإنه حين إذٍ يتحسر، ويشعر بقيمة الوقت الذي فرط فيه، ويقول: رب ارجعون، (( لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ) )فيقال له: (( كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ) [المؤمن:100] .

هذا العمر أمانة ونعمة ومسؤولية سوف يسأل الله عز وجل كل إنسان عنها، قال تعالى: (( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) (العصر:1،3) . ما أكثر من يخسر حياته وعمره، وخسارة العمر التي أقسم الله عز وجل عليها بالعصر، وأن أكثر الناس خاسر في صفقة حياته وعمره، خسارة العمر لا تعدلها خسارة مال، ولا خسارة ولد، ولا خسارة تجارة، لأن هذه الأمور يمكن أن تعوض، وأما خسارة الحياة فلا يمكن أن تعوض بحال من الأحوال، قال تعالى: (( قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ* لَهُم مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ) ) [الزمر:15-16] .

فخسارة العمر عظيمة، (( وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ) )، إلا من وفق لاغتنام العمر وما أقلهم، (( إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ) ) (العصر:1،3) .

وهذا أيضا يفسره النبي- صلى الله عليه وسلم- بقوله: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ) رواه البخاري.

الغبن: هو الخسارة، أن تبيع ما يساوي عشرة بخمسة، أو تشتري ما يساوي خمسة بعشرة، فيقال حينئذ: غبن، ويقال: خيار الغبن، ويثبت لهذا الخيار في الشرع بشروطه، وأعظم غبنٍ غبن الإنسان في صحته وفراغه، (نعمتان مغبون) .

أي خاسر فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ.

العصر الذهبي للعمر

ويقول- صلى الله عليه وسلم-: (لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) رواه الطبراني في الكبير.

تأمل كيف جعل النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يخبر بوحي يأتيه من رب العالمين، لا ينطق عن الهوى، (( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) ) [النجم:4] . تأمل كيف جعل نصف الأسئلة عن العمر، والنصف الباقي عن بقية الأمور الأخرى، سؤالان عن العمر، وسؤالان عن الشؤون الأخرى، (عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه) .

ويا ترى! لمَ خص النبي- صلى الله عليه وسلم- الشباب وهو من العمر؟ والجواب: أن الشباب هو خلاصة العمر، هو ثمرة العمر، هو تاج العمر، هو العصر الذهبي للعمر، الشباب يكون فيه نضوج الإنسان، واكتمال قواه العضلية والعقلية، والجسمية والنفسية، والجنسية، وطاقات الإنسان وعنفوانه، وشدة الشباب، ولهذا قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله) وذكر منهم (شاب نشأ على عبادة الله) متفق عليه.

وفي الحديث (يعجب ربك من الشباب ليست له صبوه) رواه أحمد .

إدارة الموقع

قالوا في العمر

داود- عليه الصلاة والسلام-: علمه الله عز وجل الحكمة، كما قال سبحانه وتعالى: (( وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ) ) [البقرة:251] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت