الصفحة 2190 من 3812

وعنه رويت حكم ومأثورات عظيمة، فمما روي عنه هذا الكلام الذي جاء في كتب الله السابقة: (الليل والنهار خزينتان، فانظر ما تودع في خزانتيك، فإنك ستجد ما أودعت فيهما من خير أو شر، إن أودعت خيرًا وجدته، وإن أودعت شرًا وجدته) .

وقال الحسن البصري- رحمه الله-: (الليل والنهار مطيتان، تسلمك مطية الليل إلى مطية النهار، ومطية النهار إلى مطية الليل، حتى تسلماك في قبرك، فمن أشد منك خطرًا يا ابن آدم) .

قال بعض الحكماء: (إنما أنت يا ابن آدم أيام مجموعة، فإذا ذهب يوم ذهب بعضك) .

قيل لمحمد بن واسع: (كيف أصبحت ؟ فقال: كيف أصبح من دنا إلى ربه عز وجل مرحلة) .

وقال علي بن ابن أبي طالب: (إن الدنيا قد ولت مدبرة، وإن الآخرة قد ولت مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا) .

وقال بعض الحكماء: (كيف يفرح من يومه يَهدم جمعته، ومن جمعته تهدم شهره، ومن شهره يهدم عامه، ومن عامه يهدم عمره، كيف يفرح؟) .

إنا لنفرح بالأيام نقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل

يسر المرء ما ذهب الليالي وكان ذهابهن له ذهابًا

وشبه بعضهم العمر بـ (أوراق التقويم) ، أنت كل يوم تقطع من التقويم ورقة، فلو أنك تقف دقيقة واحدة عند كل ورقة، إذا قطعت ورقة فتأمل وتفكر كيف قطعت يومًا من أيام حياتك، ولا تزال تأخذ ورقة فورقة حتى ينتصف التقويم، وهذا كانتصاف حياتك وبلوغك الثلاثين، ثم بعد ذلك يبدأ العمر في التناقص، كالهلال إذا اكتمل بدرًا يعود محاقًا، يتناقص حتى يستتر مرةً أخرى كما ولد أول أمره، ثم بعد ذلك تأخذ ورقة لا تجد بعدها ورقة، تجد بعدها كل عام وأنتم بخير، وهكذا فعمرك عبارة عن تقويم. وتقويم وتقويم.

وإذا كان الحال كذلك، فينبغي على كل مسلم أن يغتنم وقته وعمره بما أمره الله عز وجل، وبماذا أمره الله سبحانه وتعالى؟ أمره الله عز وجل بأشياء كثيرة، إنك تستفيد من عمرك الحزم والعزم، وتخطي العوائق التي سآتي على ذكر بعض منها.

بما نقضي العمر؟

فمن خير ما يقضي فيه العمر:-

أولًا العبادة: التي أمر الله عز وجل بها نبيه وعباده في محكم كتابه الكريم، قال لرسوله الله- صلى الله عليه وسلم- وللمسلمين ولعباد الله: (( وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى ) ) [البقرة:197] .

فينبغي للعبد أن يتزود من التقوى، وأن يستمر على العبادة، قال عز وجل: (( فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ ) ) [مريم:65] .

وقال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) ) [البقرة:21] .

وقال عز وجل: (( وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ ) ) [الإسراء:79] .

وقال: (( يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ* قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلا ) ) [المزمل:1-2] .

العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.

العبادة: تشمل قراءة القرآن، العبادة تشمل الصلاة، العبادة تشمل الصيام، تشمل الحج، العمرة، الاعتكاف، صيام الأيام الفاضلة، تشمل التسبيح والتهليل، وحضور مجالس العلم، ومجالسة الوالدين، ومجالسة الصالحين، كل هذا من العبادة.

كان النبي- صلى الله عليه وسلم- مثلًا عظميًا، والسلف والصحابة في قضايا أوقاتهم بعبادة الله عز وجل وطاعته، كما سيأتي ذكر ذلك، كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يصوم من الشهر حتى يقول الصحابة لا يفطر، وحتى يقول أزواجه لا يفطر، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- يستغفر في اليوم الواحد مائة مرة، وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- كما ثبت في الصحيح يستغفر أكثر من سبعين مرة، ويأمر بالاستغفار، هذا على غير ذنب يفعله- صلى الله عليه وسلم-، فنحن المذنبون والمقصرون، والخطاءون، والمجترئون على أنواع المعاصي، كم نستغفر الله عز وجل في اليوم والليلة، بل كم نستغفر الله في الجمعة والأسبوع، بل كم نستغفر الله عز وجل في حياتنا كلها، فهذه العبادة من خير ما يقضي المسلم فيه حياته.

ثانيًا يقضي المسلم حياته بطلب العلم: التزود من العلم الذي أمر الله عز وجل نبيه أن يتزود منه، قال عز وجل: (( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) ) [طه:114] .

ونزل على النبي- صلى الله عليه وسلم- في أول ما نزل: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) ) [العلق:1] .

فقرأ النبي- صلى الله عليه وسلم- وعلم، وتعلم، وقضى حياته طالبًا للعلم، وكذلك كان أصحابه والسلف الصالح- رضي الله عنهم- كما سيأتي.

ثالثًا يقضي المسلم حياته بالدعوة إلى الله عز وجل: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتربيته الأولاد، وأمرهم بطاعة الله عز وجل، فإن ذلك من خير ما يغتنم فيه المسلم والمسلمة حياته وعمره.

ربعًا يقضي المسلم حياته وتقضي المسلة حياتها بالأمور النافعة: وبالعلوم الطبية، وبالأعمال المباحة التي تشغله عن معصية الله عز وجل، فإن النفس إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشر، هذه العين خلقت لترى، فإن لم ترى خيرًا رأت شرًا، هذه الأذن خلقت لتسمع، هذا الفكر والعقل والفؤاد خلق ليَهِم ويفكر، وليجول ويحور، ويدور في مزابل هذه الدنيا، أو في ملكوت السموات، فإذا لم تشغل ذلك بالخير فإنه لا شك سيشغلك بالشر، (( إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ ) ) [يوسف:53] .

فالمسلم يقضي حياته في الأعمال النافعة، بالكد على الأولاد، بتربيتهم، بجلب الرزق لهم، وبالأعمال المباحة، فإن ذلك إذا احتسبه وخلا من المحرمات كان ذلك من ضمن العبادات التي يؤجر عليها المسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت